تسلية المُجالس وزينة المَجالس - الكركي الحائري، السيد محمد - الصفحة ٤٣٧ - استشهاد خزيمة بن ثابت الأنصاري
جسده على طاعته، و فرغ روحه لمراقبته، أطلعه سبحانه على جلال عظمته، و كمال معرفته، و سقاه من شراب حبّه، و اختصّه بشرف قربه، فما في فؤاده إلّا إيّاه، و ما في لسانه إلّا ذكراه، يفني وجوده في شهوده إذا هو ناجاه، و يصفو أبحر ندّه في سجوده عمّا سواه، قد استشعر لباس المراقبة، و حاسب نفسه قبل المحاسبة.
يأنس بالظلام إذا الليل سجى، و يستضيء بأنوار الكشف إذا الغسق دجا، و يستوحش من الخلق في حال خلوته مع حبيبه، و يستنشف نفحات الحقّ إذ هو كمال مطلوبه، رقي لقدم صدقه صفوف الكروبيّين بروحانيّته، و طار بقوادم عشقه ففات أشباح الصافّين الحافّين بإخلاص محبّته، جذبته يد المحبّة بزمام العناية إلى حضرة معشوقه، و أزاحت كدورات الطبيعة عن مسالك طريقه، حتى إذا آيس من جانب طور قيّوم الملكوت أنوار عظمته، و استأنس بمناجاة صاحب العزّة و الجبروت و اطّلع على أسرار إلهيّته، و قرع بيد إخلاصه شريف بابه، و أصغى بصماخ (وَ تَعِيَها أُذُنٌ واعِيَةٌ)[١] إلى لذيذ خطابه، و أشعر قلبه لباس الخضوع بين يديه، و أحضر لبّه جلال من وجّه مطايا عزمه إليه، و شاهد بعين يقينه عزّة هيبة سلطانه، و قطع العلائق عمّا سوى القيام بشروط الخدمة لكبرياء عظم شأنه.
كشف فياض العناية به الحجاب عن جلال كمال عزّته، و رفع النقاب عن ذلك الجناب فأدرك بكمال عرفانه بهجة حضرته، أجلسه على بساط المنادمة في غسق الدجا، و ناجاه بلسان المحبّة و قد برح الخفا، و سقاه بالكأس الرويّة من شراب (يُحِبُّهُمْ وَ يُحِبُّونَهُ)[٢]، و يثب في مدارج السلوك إلى عين اليقين
[١] سورة الحاقّة: ١٢.