تسلية المُجالس وزينة المَجالس - الكركي الحائري، السيد محمد - الصفحة ١٩٩ - خطبة لأمير المؤمنين عليه السلام يشكو فيها قريش
أراد سبحانه ليبلو عباده أيّهم أشدّ مخالفة لأمره، و حذرا من زوره و مكره، و تباعدا من موبقات زخارفه، و فرارا من موديات مواقفه، فصدق اللعين عليهم ظنّه، و زيّن لهم ما فرض عليهم و سنّه، فاتّبعوه إلّا فريقا من المؤمنين، و عبدوه إلّا قليلا من المخلصين، و اتّخذوه ربّا دون خالقهم، و ابتغوا عنده الرزق دون رازقهم، و نصروا أولياءه، و قهروا أعداءه، و ذهبوا بهم كلّ مذهب، و سدّوا عليهم كلّ مطلب، و اتّخذوا الأوثان أربابا، و الأصنام أنصابا، و قتلوا النبيّين، و فتنوا المؤمنين.
فهم أبناؤه المخلصون في طاعته، و المناصحون في متابعته، زيّن لهم دينه، فاتّبعوا قوله و فعله، و موّه لهم سبيله، فاتّخذوه و جهة و قبلة، و بحروا له البحيرة، و سيّبوا السائبة، و وصلوا الوصيلة بأحلامهم العازبة، فالصبور الشكور نوح، و الخليل و الكليم و الروح، كم نصبت أسلافهم لهم العداوة و البغضاء، و أغرت أخلاقهم بهم السفهاء؟ حتى نادى نوح: ربّ (أَنِّي مَغْلُوبٌ فَانْتَصِرْ)[١]، و القي الخليل في نار ضرامها يستعر، و فرّ الكليم من الظالم الأشر، و ابن مريم لو لا انّ اللّه تعالى رفعه إلى سمائه لأحلّوا به الشيء النكر.
ثمّ لم يزل الأشرار من أشياعه، و الفجّار من أتباعه، و الأرجاس من ذرّيّته، و الأوغاد من حفدته، ترفع بالأنبياء[٢] أوصياءهم، و تقصد بالأذى المخلصين من أوليائهم، إلى أن انتهت النوبة إلى سيّد المرسلين، و خاتم النبيّين، فنصبوا له غوائلهم، و فوّقوا نحوه معابلهم، حتى قتلوا في بدر و احد أهله، و راموا بجدّهم و جمعهم قتله، و أخرجوه عن عقر داره، و طردوه عن محلّ قراره، و حزّبوا أحزابهم على حربه، و ركبوا الصعب و الذلول في طلبه، و ضربوا بطون
[١] سورة القمر: ١٠.