تسلية المُجالس وزينة المَجالس - الكركي الحائري، السيد محمد - الصفحة ١٢٣ - في ابتلاء موسى و هارون عليهما السلام
و هو ابن اثنتي عشرة سنة، و مكث فيه ثمانية عشرة سنة، و بقي بعد خروجه ثمانين سنة، فذلك مائة سنة و عشر سنين.
قالوا: و لمّا جمع اللّه سبحانه شمله، و أقرّ عينه، و أتمّ له رؤياه، و وسّع عليه في ملك الدنيا علم أنّ ذلك لا يبقى و لا يدوم، فطلب من اللّه سبحانه نعيما لا يفنى، و تاقت نفسه إلى الجنّة، فتمنّى الموت و دعا به، و لم يتمنّ ذلك نبيّ قبله و لا بعده، فقال: (رَبِّ قَدْ آتَيْتَنِي مِنَ الْمُلْكِ وَ عَلَّمْتَنِي مِنْ تَأْوِيلِ الْأَحادِيثِ فاطِرَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضِ أَنْتَ وَلِيِّي فِي الدُّنْيا وَ الْآخِرَةِ تَوَفَّنِي مُسْلِماً وَ أَلْحِقْنِي بِالصَّالِحِينَ)[١] فتوفّاه اللّه تعالى بمصر و هو نبيّ، و دفن في النيل في صندوق من رخام، و ذلك أنّه لمّا مات تشاحّ الناس عليه، كلّ يحبّ أن يدفن في محلّته، لما كانوا يرجون من بركاته، فرأوا أن يدفنوه في النيل فيمرّ الماء عليه، ثمّ يصل[٢] إلى جميع مصر، فيكون كلّهم شركاء في بركته شرعا، فكان قبره في النيل إلى أن حمله موسى عليه السلام لمّا خرج من مصر، و دفنه عند آبائه الطاهرين صلوات اللّه عليهم أجمعين[٣].
و إنّما أوردت هذه القصّة بتمامها ليكون ذلك تسلية للمؤمن التقيّ، و ردّ على الجاحد الشقيّ، فإنّ اللّه سبحانه يبتلي عباده الصالحين بأعدائه الطالحين، ليكون الجزاء على قدر البلاء، و الثواب على قدر المشقّة، لأنّه سبحانه هو المدبّر الحكيم العليم بمصالح عباده في معاشهم و معادهم، فتارة يكون البلاء في النفس و الولد- كما مرّ في قصّة يعقوب و يوسف-،
[في ابتلاء موسى و هارون عليهما السلام]
و تارة يكون في ضنك العيش و الفقر كما ذكر سيّدنا أمير المؤمنين عليه
[١] سورة يوسف: ١٠١.