تسلية المُجالس وزينة المَجالس - الكركي الحائري، السيد محمد - الصفحة ٤٣٤ - استشهاد خزيمة بن ثابت الأنصاري
و كان عليه السلام يحمل عليهم مرّة بعد مرّة و يدخل في غمارهم و يقول:
اللّه اللّه في البقيّة، اللّه اللّه في الحرم و الذرّيّة، فكانوا يقاتلون أصحابهم بالجهل، فلمّا أصبح صلوات اللّه عليه كان القتلى من عسكره أربعة آلاف رجل، و قتل من عسكر معاوية اثنين و ثلاثين ألفا، فصاحوا: يا معاوية، هلكت العرب، فاستغاث بعمرو، فأمره برفع المصاحف.
قال قتادة: كانت القتلى يوم صفّين ستّون ألفا. و قال ابن سيرين: سبعون ألفا، و هو المذكور في أنساب الأشراف، و وضعوا على كلّ قتيل قصبة، ثمّ عدّوا القصب[١].
قلت: أعظم بها فتنة يملّ من رصفها البنان، و يكلّ عن وصفها اللسان، و يخفق لذكرها الجنان، و يرجف لهولها الانسان، طار شررها فعمّ الآفاق، و سطح لهبها فعمّ بالاحراق، و ارتفع رهج سنابكها فبلغ أسباب السماء، و ضاقت سبيل مسالكها فانسدّ باب الرجاء.
يا لها فتنة اطّيّرت رءوس رءوسها عن أبدانها، و ابترت نفوس قرومها بخرصانها، و برقت بوارق صفاحها في غمائم عبرتها، و ضعفت رواعد هزبر أبطالها في سحائب مزنها، قد كفر النقع شمسها، و أخرس الهول نفسها، و أبطلت مواقع صفاحها حركات أبطالها، و صبّغت أسنّة رماحها أثباج رجالها بحرباتها، لا يسمع فيها إلّا زئير اسد غابها سمر القنا، و لا ترى منها إلّا وميض بريق مواضي الأسنّة و الضبا، كم افترست ثعالب عواملها ليثا عبوسا؟ و كم اخترمت بحدود مضاربها أرواحا و نفوسا؟ و كم أرخصت في سوق قيامها على ساقها نفيسا؟ و كم أذلّت بتواصل صولات حملات
[١] مناقب ابن شهرآشوب: ٣/ ١٧٤- ١٨١، عنه البحار: ٣٢/ ٥٨٠- ٥٨٩.