تسلية المُجالس وزينة المَجالس - الكركي الحائري، السيد محمد - الصفحة ٥٦ - المجالس الأوّل في ذكر امور تتعلّق بظلامة أبي عبد اللّه الحسين عليه السلام و ما في معناها، و طرق في ذكر ثواب من أظهر الجزع لمصابه و مصاب أهل بيته، و ثواب من بكى لرزيّتهم، و جلس لعزيّتهم
فيا ليت نفسي كانت لأنفسهم فداء، و وجهي لأوجههم وقاء، فلو أنّ عين الرسول عاينت سبطه و قد تحوّطت عليه بقيّة الأحزاب، و أحاطت به كتائب كفرة الكتاب، و هو يذكّرهم بآيات اللّه، و يحذّرهم من سخط اللّه، و يورد عليهم الحجّة، و يوضح بهم المحجّة، و لا يزدادون من عظته إلّا نفورا، و لا من تذكرته إلّا غرورا، و راموا منه خطّة لا تليق بمثله، و طلبوا منه خصلة لا تحسن بفرعه و أصله.
فأبى أبو الاسد الهاصرة[١]، أو الليوث الحاسرة[٢]، و قدّم بينه و بين اللّه أفراطا بين يديه، فصدقوا ما عاهدوا اللّه عليه، و بذلوا الوسع في طاعة ربّهم و وليّهم، و استشعروا الصبر في نصرة ابن نبيّهم، يرون القتل في العزّ حياة، و الحياة في العزّ قتل، كشف اللّه عن بصائرهم، و تجلّى لهم في سرائرهم، فرأوا ما أعدّ لهم من السعادة الباقية (فِي جَنَّةٍ عالِيَةٍ قُطُوفُها دانِيَةٌ- و قيل لهم:- كُلُوا وَ اشْرَبُوا هَنِيئاً بِما أَسْلَفْتُمْ فِي الْأَيَّامِ الْخالِيَةِ)[٣] فتلقّوا رماح الأعداء بصدور بنيت على الاخلاص قواعدها، و بقلوب بنيت على الايمان عقائدها، و قابلوا صفاح الأشقياء بوجوه طالما أحيت ليلها بسجودها و ركوعها، و أرضت ربّها بتهجّدها و خشوعها، محامية عن ابن إمامها و رسولها، تابعة أمر هاديها و دليلها، كلّ منهم قد أرضى بتصمّم عزيمته إلهه و ربّه قائلا: اليوم
[١] أسد هصور و هصّار و هيصر و هيصار ..: يكسر و يميل.« لسان العرب: ٥/ ٢٦٤- هصر-».