تسلية المُجالس وزينة المَجالس - الكركي الحائري، السيد محمد - الصفحة ٥٨ - المجالس الأوّل في ذكر امور تتعلّق بظلامة أبي عبد اللّه الحسين عليه السلام و ما في معناها، و طرق في ذكر ثواب من أظهر الجزع لمصابه و مصاب أهل بيته، و ثواب من بكى لرزيّتهم، و جلس لعزيّتهم
ضارعات، و هو يدافع عنهنّ، و يمانع دونهنّ، و يتلقّى السيوف بشريف طلعته، و يفرّق الصفوف بشدّة عزمته، قد قتلت رجاله، و ذبحت أطفاله، و انتهكت حرمة الرسول بانتهاك حرمته، و عظمت مصيبة البتول لعظيم رزيّته.
فما ظنّكم بسيّد المرسلين لو رآه في تلك الحال عديم الأعوان، فقيد الاخوان، ممنوعا من شرب المباح، مخضوبا بدم الجراح، قد أجمعت أئمّة السوء على قتله، و اجتمعت عصابة البغي لخذله؟ هل كان يتلقّى عنه السيوف بيديه و ساعديه؟ أم يدفع عنه الحتوف بجنبيه و عينيه؟
بل لو رآه أمير المؤمنين، و سيّد الوصيّين، و هو يستغيث و لا يغاث، و يستسقى فلا يسقى، قد أثخنه الجراح، و أثقله السلاح، و جعلته عصبة الضلال طعمة لمناصلها، و موردا لعواملها، و هو يحمل كحملات أبيه في احد و بدر، و يتلقّى سيوف أهل البغي و الغدر، لا يزيده قلّة الأنصار إلّا بصيرة من أمره، و لا يكسبه تظافر الأشرار إلّا إخلاصا في علانيته و سرّه، أهل كان يليق الصبر بجلال كماله؟ أم يتلقّى عنه السيوف بأعضائه و أوصاله؟
بل لو رأته سيّدة النساء و هو يتلظّى ظمأ، و يتلهّف عطشا، و عاينت بناتها اسارى على الأقتاب، حيارى بغير نقاب و لا جلباب، يطاف بهنّ في البلاد، و يتشرّفهنّ الحاضر و الباد، و شاهدت تلك الوجوه الّتي طالما قبّلها الرسول المجتبى، و أكرمها الوصيّ المرتضى، أصحاب سورة هل أتى، و أرباب (قُلْ لا أَسْئَلُكُمْ عَلَيْهِ أَجْراً إِلَّا الْمَوَدَّةَ فِي الْقُرْبى)[١]، يسار بها على رماح الأعداء مخضبا شيبها بالدماء، أ كانت تهنأ لها الحياة بعدها أم تتمنّى
[١] سورة الشورى: ٢٣.