تسلية المُجالس وزينة المَجالس - الكركي الحائري، السيد محمد - الصفحة ٥٢٨ - كلام للمؤلّف رحمه اللّه
جارية الزهراء صلّى اللّه عليها، ما تكلّمت منذ عشرين سنة إلّا بالقرآن[١].
[كلام للمؤلّف رحمه اللّه]
قلت: يا أصحاب الفكر الصائب، و النظر الثاقب، و القلب السليم، و اللبّ المستقيم، تفكّروا في هذه النفس الّتي قدّسها اللّه و طهّرها و أطلعها على أسرار كلامه، و طهّرها و شرّفها بخدمة اولي نهيه و أمره، و أطلعها ببركات فضلهم على مكنون سرّه، و جعل قلبها مشكاة نور حكمته، و باطنها مرآة كمال معرفته، و أسكن حبّه سويداء فؤادها، و جعل ذكره أقصى مرادها، فصارت لا تنطق إلّا بكلامه المجيد، الّذي (لا يَأْتِيهِ الْباطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَ لا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ)[٢].
و أذهب عنها كلفة المشقّة في استنباط غرائبه، و إعمال الفكرة في إظهار عجائبه، و جعل جبلتها مطبوعة عليه، و فكرتها مصبوبة لديه، ينبي عن مقاصدها بوجيز كلماته، و يخبر عن مطالبها بعزيز آياته، فهو في لوح نفسها مسطور، و في رقّ علمها منشور، فكأنّه روضة أنيقة بين يديها، أو جنّة يانعة تهدّلت أغصانها عليها، تلتقط ما شاءت من أزاهير هذه و أنوارها، و تقتطف ما أرادت من فواكه تلك و ثمارها، لمّا أخلصت للّه بطاعتها، و عظّمت ما عظّم اللّه من جلالة سيّدتها، و علمت أنّ اللّه سبحانه عصمها و صفاها، و على نساء العالمين اصطفاها، و جعل والدها كلمته التامّة في خلقه، و بعلها لسانه الناطق بحقّه، و ذرّيّتها أولياءه على عباده، و عترتها امناءه في بلاده، لا يقبل اللّه عمل عامل إلّا بولايتهم، و لا يدخل الجنّة إلّا مستمسكا بعروة محبّتهم، تشاركهم في إخلاص الطاعة لمعبودهم، و ساوتهم في وفاء نذورهم و عهودهم، فأدخلها سبحانه في
[١] مناقب ابن شهرآشوب: ٣/ ٣٤٣- ٣٤٤، عنه البحار: ٤٣/ ٨٦- ٨٧.