تسلية المُجالس وزينة المَجالس - الكركي الحائري، السيد محمد - الصفحة ٥٥ - المجالس الأوّل في ذكر امور تتعلّق بظلامة أبي عبد اللّه الحسين عليه السلام و ما في معناها، و طرق في ذكر ثواب من أظهر الجزع لمصابه و مصاب أهل بيته، و ثواب من بكى لرزيّتهم، و جلس لعزيّتهم
لو لا أنّ الحقّ منعها إلى أجل مسمّى لأحرقت الأرض بزفرتها، و شهقت شهقة لو لا الأمر الّذي كتب اللّه لعباده لأهلكت الخلق بفضيع شهقتها، شردت على خزّانها فخوطبت: قرّي فلأجعلنّك لقتلته سجنا مؤبّدا، و لأكتبنّ على أغلالهم و أصفادهم دواما مخلّدا، و لأجعلنّ فراعنة الأنبياء و أعداء الدين تستعيذ من عذابهم، و لأصيّرنّ الكفرة و الفجرة من أهل سجّين يعجبوا من عقابهم، يشرف عليهم إبليس فيلعنهم، و يطلع عليهم عبدة الأوثان فتوبّخهم، و لأجعلنّ وليّي و ابن أوليائي، و صفيّي و نجل أصفيائي، صاحب هذه المصيبة العظمى، و الواقعة الكبرى، المجاهد بنفسه و ولده، و الموفي بعقده و عهده، الّذي لم يجاهد جهاده نبيّ من أنبيائي، و لا صبر صبره مخلص من امنائي، سيّد الشهداء في الدنيا و الآخرة، و لاقيمنّ حججي على عبادي من ذرّيّته الطاهرة.
فيا إخواني، أ في غفلة أنتم من هذا الشهر الّذي أظلّكم؟ أم في رقدة من هذا العشر الّذي نزل بكم؟ أ تعلمون أيّ رحم فيه للرسول قطعت؟ و أيّ مصيبة على بني البتول وقعت؟ و أيّ سادة منهم على الصعيد صرعت؟ و أيّ قادة بكؤوس الحمام جرعت؟ و أيّ كبد لسيّد الأنبياء فريت؟ و أيّ مهجة منه بسهام الأعداء رميت؟
فيا له من شهر لا يحسن الجزع إلّا في أيّامه و لياليه، و يا له من عشر لا يليق الهلع إلّا في أعجازه و بواديه، سقيت فيه بنو الرسول كئوس الحتوف بعد الظماء، و اسلبت أرواحهم بغروب[١] السيوف و الظباء، و صارت أجسادهم على الرمضاء بلا وطاء، منعوا فيه من شرب المباح، و صدروا من دم الجراح،
[١] الغرب: الحدّة، و منه غرب السيف، أي كانت تدارى حدّته و تتّقى.« لسان العرب: ١/ ٦٤١- غرب-».