تسلية المُجالس وزينة المَجالس - الكركي الحائري، السيد محمد - الصفحة ٣١٧ - أنّ أمير المؤمنين عليّ عليه السلام هو أكيس المنجّمين
الصفيح الأعلى فعاين عجائب صنعتك، و أريته ملكوت سماواتك فعلم من اختلاف حركاتها ما أشبه على غيره، و أحصى بلطيف روحانيّته مقادير كلّ من أفلاكها و تقديره في مسيره، و لاحظ ما رصعت به أجرامها من درر دراريها و زواهرها، و زيّنت صفيحها بجواهر نيّراتها من ثابتها و سائرها، فالشمس و القمر بحسبان حسابه عرف انتقالهما بتحوّلهما، و بكشف صور الأشياء لهويّته علم مقدار صعودهما و هبوطهما.
آتيته من لدنك علما فخرق بتأييدك صفوف ملائكتك، و كشفت الحجاب عن بصيرته فشاهد صفات أشباحهم بعين عنايتك، فعرّفنا هيئاتهم، و اختلاف أشخاصهم، و أعلمنا بتقارب درجاتهم و خواصّهم، حتى كأنّه عمّر فيهم عمره، و أقام بينهم دهره، و شاركهم في الإخلاص بعبادة معبودهم، و شابههم بخشوعهم في ركوعهم و سجودهم، و ساواهم في الاذعان بالطاعة لربّهم، و ساماهم في شرف منازلهم و قربهم.
فأصبح يخبرنا عن شدّة اجتهادهم في تعظيم مبدعهم، و إخلاص جهادهم في توجّههم إلى معبودهم و تضرّعهم، و وصف لنا من عظم أجسادهم ما أذهل عقولنا، و أعلمنا من تفاوت أشباحهم ما حيّرنا، و أرجف قلوبنا بقوله صلوات اللّه عليه: ثم فتق ما بين السماوات العلى فملأهنّ أطوارا من ملائكته، منهم سجود لا يركعون، و ركوع لا ينتصبون، و صافّون لا يتزايلون[١]، و مسبّحون لا يسأمون- إلى قوله صلوات اللّه عليه:- و منهم الثابتة في الأرضين السفلى أقدامهم، و المارقة من السماء العليا أعناقهم، و الخارجة من الأقطار أركانهم، و المناسبة لقوائم العرش أكتافهم، ناكسة دونه أبصارهم، متلفّعون[٢]
[١] أي قائمون صفوفا لا يتفارقون.