تسلية المُجالس وزينة المَجالس - الكركي الحائري، السيد محمد - الصفحة ١٨٥ - موعظة جليلة
نفوسهم من رحيق خطابه في عالم الذرّ، و سكنت هيبة عزّة جلاله شغاف قلوبهم حين أقرّ من أقرّ، و أنكر من أنكر، لم تزل العناية الأزليّة تنقلهم من الأصلاب الفاخرة إلى الأرحام الطاهرة، و الألطاف الإلهيّة تمنحهم شرف الدنيا و الآخرة.
جعلهم سبحانه السفراء بينه و بين عباده، و الامناء على وحيه في سائر أنامه و بلاده، بشّرت الأنبياء الماضية بظهورهم، و أشرقت السماوات العالية بساطع نورهم، كتب أسماءهم على سرادقات عرشه المجيد، و أوجب فرض ولايتهم على عباده من قريب و بعيد، كلّفهم بحمل أعباء رسالته، و جعلهم أهلا لأداء أمانته، يتلقّون بوجه باطنهم أنوار سبحات جمال عزّته، و يقابلون بظاهر ضياء محاسن بهجاتهم عباده فيهتدون بنورهم إلى نعيم جنّته، (عِبادٌ مُكْرَمُونَ لا يَسْبِقُونَهُ بِالْقَوْلِ وَ هُمْ بِأَمْرِهِ يَعْمَلُونَ يَعْلَمُ ما بَيْنَ أَيْدِيهِمْ وَ ما خَلْفَهُمْ وَ لا يَشْفَعُونَ إِلَّا لِمَنِ ارْتَضى وَ هُمْ مِنْ خَشْيَتِهِ مُشْفِقُونَ)[١].
أصلهم نبيّ تمّمت به النبوّة، و كملت به الفتوّة، و انتهت إليه الرئاسة العامّة، و خصّ من اللّه بالكلمة التامّة، و أيّده سبحانه بنصره في المواطن المشهورة، و أظهره بقهره على أعدائه في حروبه المذكورة، و شدّ أزره بوصيّه المرتضى، و شيّد ملّته بصفيّه المجتبى، صارم نقمته، و حامي حوزته، الّذي لم يخلق اللّه خلقا أكمل منه من بعده و لا قبله، و لم يدرك مدرك شأوه[٢] و لا فضله، و لا أخلص مخلص للّه إخلاصه، و لا جاهد مجاهد في اللّه جهاده من العامّة و الخاصّة.
إن دارت حرب فهو قطب رحاها، أو توجّهت آمال فهو غاية رجاها، أو ذكر علم فهو مطلع شمسه، أو اشتهر فضل فهو قالب نفسه، باب علم مدينة
[١] سورة الأنبياء: ٢٦- ٢٨.