تسلية المُجالس وزينة المَجالس - الكركي الحائري، السيد محمد - الصفحة ١٨٤ - موعظة جليلة
(لِيَعْبُدُونِ ما أُرِيدُ مِنْهُمْ مِنْ رِزْقٍ وَ ما أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ)[١]، و العبث لا يليق بحكمته، و الإغراء بالقبيح لا يحسن بصفته.
وجب في لطفه إعلامهم بما فيه صلاحهم في دنياهم و اخراهم، و في عدله تعريفهم مبدأهم و منتهاهم، و جعل لهم قدرة و اختيارا، و لم يجبرهم على فعل الطاعة و ترك المعصية اضطرارا، بل هداهم النجدين، و أوضح لهم السبيلين.
و لمّا كانت كدورات الطبيعة غالبة على نفوسهم، و ظلمة الجهالة مانعة من تطهيرهم و تقديسهم، و النفس الأمّارة تقودهم إلى مداحض البوار، و الشهوة الحيوانيّة تحثّهم على ارتكاب موبقات الأوزار، و الوسواس الخنّاس قد استولى بوساوسه على صدورهم، و زيّن لهم بزخارفه مزالق غرورهم، فوجب في عدله و حكمته إقامة من يسوقهم بسوط لفظه إلى ما يقرّبهم من حضيرة جلاله، و يزجرهم بصوت وعظه عمّا يوبق أحدهم في معاشه و ماله، إذ أنفسهم منحطّة عن مراتب الكمال، غاوية في مسالك الوبال، منخرطة في سلك أنّ النفس لأمّارة بالسوء إلّا من رحم[٢]، غارقة في لجّة الجهل إلّا من عصم، تقصر قواها عن تلقّي نفحات رحمته، و تضعف مراياها لعدم جلاها عن مقابلة أشعّة معرفته.
فأقام سبحانه لهم حججا من أبناء نوعهم، ظاهرين في عالم الانسانيّة، باطنين في عالم الروحانيّة، فظواهرهم أشخاص بشريّة، و بواطنهم أملاك علويّة، قد توّجهم سبحانه بتيجان الحكمة، و أفرغ عليهم حلل العصمة، و طهّرهم من الأدناس، و نزّههم عن الأرجاس، فشربوا من شراب حبّه[٣] أشغلهم به عمّن سواه، و اطّلعوا على أسرار ملكوته فما في قلوبهم إلّا إيّاه، لما انتشت نشاءة
[١] سورة الذاريات: ٥٦ و ٥٧.