تسلية المُجالس وزينة المَجالس - الكركي الحائري، السيد محمد - الصفحة ١١١ - قصّة يوسف عليه السلام
قال: فأخفى يوسف تلك الكلمة الّتي قالوها (وَ لَمْ يُبْدِها لَهُمْ)، بل (قالَ أَنْتُمْ شَرٌّ مَكاناً) في السرق لأنّكم سرقتم أخاكم من أبيكم (وَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ)[١].
و الظاهر أنّه أسرّ هذا المقال في نفسه، ثمّ جهر بقوله: (وَ اللَّهُ أَعْلَمُ بِما تَصِفُونَ) فأقبلوا بالخضوع على يوسف و الاستعطاف قائلين: (يا أَيُّهَا الْعَزِيزُ إِنَّ لَهُ أَباً شَيْخاً كَبِيراً فَخُذْ أَحَدَنا مَكانَهُ)، إنّما قالوا هذا لما علموا أنّه استحقّه فسألوه أن يأخذ عنه بدلا شفقة على والدهم، و رقّقوا[٢] في القول على سبيل الاسترحام و معناه كبيرا في السنّ؛ و قيل: كبيرا في القدر، فلا ينبغي أن يسترقّ ولده (إِنَّا نَراكَ مِنَ الْمُحْسِنِينَ)[٣].
فأجابهم يوسف: (مَعاذَ اللَّهِ أَنْ نَأْخُذَ إِلَّا مَنْ وَجَدْنا مَتاعَنا عِنْدَهُ)[٤] أي نأخذ البريء بجرم السقيم، و لم يقل: «من سرق» تحرّزا من الكذب، فلمّا استيأسوا من يوسف أن يجيبهم إلى ما سألوه انفردوا عن الناس من غير أن يكون معهم من ليس منهم يتناجون فيما يفعلون في ذهابهم لأبيهم بغير أخيهم و هل يرجعون أو يقيمون.
قال كبيرهم و هو روبيل، و كان أسنّهم، و كان ابن خالة يوسف، و هو الّذي نهى إخوته عن قتله: (أَ لَمْ تَعْلَمُوا أَنَّ أَباكُمْ قَدْ أَخَذَ عَلَيْكُمْ مَوْثِقاً مِنَ اللَّهِ) فذكّرهم بذلك (فَلَنْ أَبْرَحَ الْأَرْضَ) أي لا أزال بهذه الأرض، و لا أزول عنها
[١] سورة يوسف: ٧٧.