التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٠٢ - الاستدلال في القرآن مزيج اسلوبين الخطابة و البرهان إمتاع العقل و النفس معا
ممتنع. لأنّه ترجيح من غير مرجّح، بل ترجّح من غير مرجّح، و هو مستحيل و لو توجّهت إرادة أحدهما إلى إحداث شيء، و أراد الآخر عدم إحداثه! فلو تحقّقت الإرادتان كان جمعا بين النقيضين. أو غلبت إحداهما الاخرى فهذا ينافي الكمال المطلق المفروض في الإلهين. و إلّا فهو ترجيح من غير مرجّح.
و لو توجّهت إرادة أحدهما إلى إحداث نظام و مخلوق، و الآخر إلى نظام و مخلوق غيره ... إذا لذهب كل إله بما خلق ... و لكان هناك نظامان و عالمان مختلفان في الخلق و النظام، و هذا الاختلاف في البنية و النظام يستدعي عدم التآلف و الوئام و الانسجام، و سوف يؤدّي ذلك إلى تصادم و أن يطغى أحدهما على الآخر و لعلا بعضهم فوق بعض. الأمر الذي يقضي بالتماحق و التفاسد جميعا.
و كل اولئك باطل بالمشاهدة، إذ نرى العالم قد وجد غير فاسد. و بقي غير فاسد. و نراه بجميع أجزائه، و على اختلاف عناصره و تفاوت أوضاعه- من علوّ و سفل و خير و شر- يؤدّي وظيفة جسم واحد، تتعاون أعضاؤه مع بعضها البعض، و كل عضو يؤدّي وظيفته بانتظام، يؤدّي إلى غرض واحد و هدف واحد. و هذه الوحدة المتماسكة- غير المتنافرة- في نظام الأفعال دليل قاطع على الفاعل الواحد المنظّم لها بتدبيره الحكيم، و هو اللّه ربّ العالمين.
و هذا هو البرهان القائم على قضايا يقينية في بديهة العقل.
٢- و قال تعالى- بصدد نفي المثل-: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ[١].
جاءت الدعوى مشفوعة ببرهان الامتناع، على طريقة الرمز إلى كبرى القياس.
ذلك أنّ (المثل) المضاف إليه تعالى رمز إلى الكمال المطلق، أي الذي بلغ
[١] الشورى: ١١.