التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٢٦ - المرتبة الاولى في المزايا الراجعة إلى ألفاظه
و أمّا المستهجن فهو: الطاء التي كالتاء في نحو (تالب) في (طالب) و الظاء التي كالثاء نحو في (ثالم) في (ظالم) و الفاء التي كالباء في نحو قولك (ضرف) في (ضرب) و الجيم التي كالكاف في نحو (كابر) في مثل قولنا (جابر) إلى غير ذلك ممّا يكون خارجا عن اللغة الفصيحة.
فما هذا حاله لا يكون في الكلام الفصيح، و إنما الغالب عليه لغة الأنباط و الأعاجم و الأكراد، فما هذا حاله فكتاب اللّه تعالى مجنّب عنه لا يجوز دخوله فيه، لما فيه من الركّة و التواء اللسان، فأمّا الجيم التي أطبق من قوله: جَعَلَ رَبُّكِ[١] و في نحو قوله: وَ أَجْدَرُ أَلَّا يَعْلَمُوا[٢] فهي فصيحة مقروء بها في السبعة، فما هذا حاله لا يجب تنزيه كتاب اللّه تعالى عنه.
(الثاني) في حسن تأليفها، و هي و إن حصلت على ما ذكرناه من كونها من حروف العربية فلا بدّ من كونها مؤلّفة تأليفا يسهل النطق به و يرقّ على اللسان و يعذّب، فاذا تباعد المخرجان كان أحسن ما يكون و ألطف، و إذا تقارب المخرجان كان دون ذلك في الحسن كقولك (أمرأب) فإنّ الهمزة من الحلق و الباء و الميم من الشفة، فلا جرم كان حسنا، بخلاف قولنا (هعخع) اسم شجر، فإنّ تأليفه متنافر لما كانت المخارج متقاربة، لأنها كلّها من الحلق، فلهذا صعب مخرجها على اللسان لما فيها من الثقل، و هكذا قولنا (ملع) فإنها ركيكة التأليف لما كانت متقاربة المخارج، فإنّ حروفها كلّها من الفم و الحلق، لكن لمّا تقدّم حرف الفم ثقلت، فلو تقدّم حرف الحلق كان حسنا، فاذا قلبت تأليفها ب (علم و عمل) كان رقيقا خفيفا. فينحلّ من مجموع ما ذكرناه أنه لا بدّ من مراعاة أحوال الحروف المفردة، من رقّتها و لطافتها و أن تكون مألوفة مستعملة في اللغة العالية، و أن يكون بريئا من الحروف النادرة المستهجنة، نحو ما روي
[١] مريم: ٢٤.
[٢] التوبة: ٩٧.