التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٤٩ - الوحدة الموضوعية
الدين» الدالّ على أنه مالك للأمر كله يوم الجزاء، تناهت قوّته، و أوجب الإقبال عليه، و خطابه بتخصيصه بغاية الخضوع و الاستعانة في المهمّات:
إِيَّاكَ نَعْبُدُ وَ إِيَّاكَ نَسْتَعِينُ. و هذا كمال الانقطاع يبديه العبد لدى مولاه، يمهّد بها أسباب الشفاعة، فيردفها مع عرض حاجته، بغية قضائها و نجاحها، و التوفيق يرافقه لا محالة.
و سورة البقرة- و هي اولى سورة نزلت بالمدينة، و اكتملت لعدة سنوات، و نزلت خلالها سور و آيات- تراها على طولها، منتظمة على اسلوب رتيب: مقدّمة لا بدّ منها، ثم دعوة، و أخيرا تشريع[١].
أمّا المقدّمة ففي بيان طوائف الناس و مواقفهم تجاه الدعوة، إمّا متعهد يخضع للحقّ الصريح، أو معاند يجحد بآيات اللّه، أو منافق يراوغ مراوغة الكلاب.
أمّا الشكّ فلا مجال له بعد وضوح الحقّ و وفور دلائله. و قد نفاه القرآن الكريم ذلِكَ الْكِتابُ لا رَيْبَ فِيهِ.
و قد أعلن الدعوة بتوجيه نداء عامّ إلى كافة الناس يا أَيُّهَا النَّاسُ اعْبُدُوا رَبَّكُمُ الَّذِي خَلَقَكُمْ[٢] و دعمها بدلائل و براهين نيّرة، مستشهدا بسابق حياة الانسان منذ بدء الخلقة، و تصرّفاته الغاشمة في الحياة، و لا سيّما حياة إسرائيل السوداء المليئة بالمخازي و الآثام. و هي الأمّة الوحيدة التي تعرفها العرب و لهم معها نسب قريب.
ثمّ يأتي دور التشريع[٣] و يتقدّمة الحديث عن الكعبة و تشريفها، و بيان النسخ و الإنساء في الشرائع. فيبتدئ بتحويل القبلة[٤] و تشريع الحجّ و الجهاد
[١] المقدمة في( ٢٠) آية. و الدعوة في قريب من( ١٢٤) آية. و التشريع( ١٤٢).
[٢] البقرة: ٢١.
[٣] من الآية رقم ١٢٥.
[٤] الآية رقم ١٤٤.