التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٠٤ - تبصرة
عزّ من قائل: وَ لا تُكْرِهُوا فَتَياتِكُمْ عَلَى الْبِغاءِ إِنْ أَرَدْنَ تَحَصُّناً[١] و كان من زينة مجالسهم تغنّي القينات و ضربهنّ العيدان.
و بلغ هذا الأمر الشنيع في زمن دولة ملوك بني امية و بني العباس حدّ الإفراط لتوغّلهم في تحصيلها و شدّة حرصهم على استماع أصواتها، و تابعهم الرعايا في سلوكهم- و الناس على دين ملوكهم، إلّا الذين آمنوا و عملوا الصالحات، و قليل ما هم- و بلغت قيمتهنّ ثلاث آلاف دينار و أكثر، كما تشهد به التواريخ، و هي صارت ما يتغنّى بالملهيات بعضها إلى حدّ لم يبلغ إلى ذلك الحدّ مهرة الرجال في هذا الفن، كما روي عن إسماعيل بن الجامع و هو من فحول أرباب التغنّي بالملهيات من التراكيب المعروفة في زماننا هذا بالتصانيف، و كان استاذا ماهرا في ضروب آلات اللهو جميعا، و كان له اختراعات و تصنيفات، كلّ واحدة منها في ضمن خصوص بعض الأشعار دون الآخر أنه لمّا قدر عليه رزقه ارتحل من مكة قاصدا حضرة الرشيد في بغداد، فلمّا ورد المدينة استمع من جارية مارة قدامه لم يسمع مثله قط، فالتمس منها التعلّم فأبت، فأعطاها ثلاث دراهم و تعلّم منها. فلمّا ورد بغداد و أدرك حضرة الرشيد و تغنّى بما تعلّم منها أعطاه ألف دينار و التمس منه الإعادة، فلمّا تغنّى به ثانيا أعطاه أيضا ألف دينار، ثم قال له: تغنّ بما أحسنت، فتغنّى طول الليل بالتركيبات و الأصوات المخترعة له و لغيره، فلم يعطه شيئا! فقال له الرشيد:
آخر الليل قد اتعبت كثيرا فإن لم يكن عليك شاقّا تغنّ بالصوت الأول، فتغنّى به فأعطاه أيضا ألف دينار[٢].
و كذا نقل عن صدقة المكنّى بأبي مسكين أنه تعلّم من جارية سوداء بالمدينة
[١] النور: ٣٣.
[٢] راجع الأغاني: ج ٦ ص ٣١٨ طبع دار إحياء التراث العربي- بيروت.