التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٢٧ - ألفاظ و تعابير أم قوامع من حديد؟
قال سيد قطب: و حقيقة أنّ وضع هاتين اللفظتين اللغوي هو الذي يمنحهما هذه الصور و ليس هو استعمال القرآن الخاصّ لهما، كما هو الشأن في الكلمات الماضية، التي اشتقّها خاصّة أو استعملها أول مرّة، و لكن اختيارهما في مكانيهما يحسب بلا شكّ في بلاغة التعبير.
إِلَّا حَمِيماً وَ غَسَّاقاً[١] انظر إلى هذا التعبير الذي ملؤه الامتهان و الاحتقار بشأن الطاغين و تصغير جانبهم و الإزراء بحالتهم الفظيعة. إنّ جهنم كانت ترصدهم فتتلقّاهم في شرّ مآب، و يلبثون فيه أحقابا، لا يذوقون فيها بردا و لا شرابا، نعم «إلّا حميما» ماء ساخنا يشوى الحلق و يزيد في التهاب البطن.
«و غسّاقا» ما يغسق، أي ينصبّ من بدن الحريق، من قيح و صديد، تلك الانصبابة التي تكاد تتقطع من أعضائه المشويّة تقطّعا. تلك كئوس الشراب تقدّم إلى اولئك الطواغيت، في مثل ذلك الحرّ القاطع.
شراب نتن قذر، مدّت إليه أعناقهم ليشربوه، رغم استفظاعه و استقذاره فيا له من فظاعة و مسكنة و تعاسة.
انظر إلى جرس اللفظة «غسّاقا» إنّها تصوّر حالة التهوّع التي تعتري الشاربين التعساء يكاد يخنقهم ألم شوكه.
لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ[٢] و ما أدراك ما الضريع؟! إنه طعام «لا يسمن و لا يغني من جوع» لا يسدّ جوعة و لا يمنع نهما، سوى مضغة مضنية يلوكها الآكل في تلوّ و إرهاق، و تعب و نصب و ضمور بطن، يلحقها ضراعة و تعاسة و مسكنة مزرية. قال الراغب: هو نبات أحمر منتن الريح، يلفظه البحر. فاذا اقتاته الإبل أضنّته تخمته و أثقلته و وخامته. قلت: و اللفظة بجرسها المرهق
[١] النبأ: ٣٥.
[٢] الغاشية: ٦.