التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٧١ - ألوان من التخييل الحسي
و تأخذ منهم و تعطي، و تتبدى لهم في شتّى الملابسات، و تجعلهم يحسّون الحياة في كل شيء تقع عليه العين، أو يتلبّس به الحسّ، فيأنسون بهذا الوجود أو يرهبونه، في توفّز و حساسية و إرهاف.
هذا هو الصبح يتنفّس: وَ الصُّبْحِ إِذا تَنَفَّسَ[١] فيخيّل إليك هذه الحياة الوديعة الهادئة التي تنفرج عنها ثناياه و هو يتنفّس، فتتنفّس معه الحياة، و يدبّ النشاط في الأحياء، على وجه الأرض و السماء.
و هذا هو الليل يسرع في طلب النهار، فلا يستطيع له دركا: يُغْشِي اللَّيْلَ النَّهارَ يَطْلُبُهُ حَثِيثاً[٢]. و يدور الخيال مع هذه الدورة الدائبة، التي لا نهاية لها و لا ابتداء.
أو هذا هو الليل يسري: وَ اللَّيْلِ إِذا يَسْرِ[٣] فتحسّ سريانه في هذا الكون العريض، و تأنس بهذا الساري على هينة و اتئاد.
و هاتان هما الأرض و السماء عاقلتين، يوجّه إليهما الخطاب، فتسرعان بالجواب: ثُمَّ اسْتَوى إِلَى السَّماءِ وَ هِيَ دُخانٌ فَقالَ لَها وَ لِلْأَرْضِ ائْتِيا طَوْعاً أَوْ كَرْهاً قالَتا أَتَيْنا طائِعِينَ[٤] و الخيال شاخص إلى الأرض و السماء، تدعيان و تجيبان الدعاء.
و هذه هي الشمس و القمر و الليل و النهار في سباق دائم و لكن:
لَا الشَّمْسُ يَنْبَغِي لَها أَنْ تُدْرِكَ الْقَمَرَ وَ لَا اللَّيْلُ سابِقُ النَّهارِ[٥]، إنه لسباق جبّار، لا يني أو يفتر في ليل أو نهار.
و هذه هي الأرض «هامدة» مرة و «خاشعة» مرة، ينزل عليها الماء
[١] التكوير: ١٨.
[٢] الأعراف: ٥٤.
[٣] الفجر: ٤.
[٤] فصّلت: ١١.
[٥] يس: ٤٠.