التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٤١ - تعبير بلفظ أم إفاضة بحياة؟
حيث شبّه فتكه بالمال و بالعدا- و ذلك صورة مرئية- بفتك الصبابة و هو فتك معنوي[١] و فتك المال كناية عن بذله و تفريقه بين المحاويج. و الصبابة:
الشوق و رقّة الهوى.
و مثاله من القرآن قوله تعالى: إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ[٢] فقد شبّه فوران الماء و خروجه عن حدّ الاعتدال، بحالة التكبّر و الاستعلاء الذي يجعل الانسان عاتيا و خارجا على القوانين و الحدود و الأعراف. فالطغيان- و هو التكبّر و الاستعلاء من غير حق- أمر معنوي، و قد شبّه به فوران الماء و هو أمر محسوس.
و هكذا قوله تعالى: وَ أَمَّا عادٌ فَأُهْلِكُوا بِرِيحٍ صَرْصَرٍ عاتِيَةٍ[٣].
و العتو- و هو التكبّر- من الامور المعقولة، استعير هنا للريح، و هي محسوسة و الجامع بينهما- في كلتا الآيتين- هو الإضرار الخارج عن حدّ العادة[٤].
تعبير بلفظ أم إفاضة بحياة؟
ميزة قرآنية اخرى جاءت في تعابيره المفيضة بالحياة. و تلك طريقته الفنّية في تصويره لمباهج هذا الكون، لا تمسّ ريشة تعبيره جامدا إلّا نبض بالحياة، و لا يصيب قلم تحبيره هامدا إلّا انتفض بالتحرّك و الهياج، كأنما العالم كله في لوحة تصاويره، أحياء غير أموات، و المظاهر كلها حركات لا هدوء و لا خمول هكذا يفعل القرآن في منطقه الساحر، و يصوّر من عالم الوجود في بيانه الباهر.
كل شيء حي، و كل شيء دائب في الحركة مستوفي طريقه نحو الكمال. تلك
[١] المثل السائر: ج ٢ ص ١٣٠.
[٢] الحاقة: ١١.
[٣] الحاقة: ٦.
[٤] الطراز للامير العلوي: ج ٣، ص ٣٣٩.