التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٨٨ - الاستخدام
احتاط تلافيه بقوله: «فاحترقت» أي كانت شدّة الإعصار و وهجة النار بحيث أثّرت في يبسها و احتراقها في نهاية الأمر. ففي هذه التتميمات المتتالية المتنوّعة كمال إيفاء بالمقصود، ليس يوجد مثله في سائر الكلام. و هذا كما قال ابن معصوم: و للّه درّ شأن القرآن و مدى اعتلاء بلاغته الخارقة! قال ابن أبي الاصبع: فانظر ما تضمّنت الآية من تقاسيم هذا النوع من بديع الكلام، منضمّا إلى ما فيه من ائتلاف اللفظ و المعنى و التهذيب و حسن النسق و التمثيل و حسن البيان و المساواة، لتعلم أنّ هذا الكتاب العزيز- بأمثال هذه الآية- عجّز الفصحاء و بلّد الأذكياء و أعيى على البلغاء[١].
الاستخدام
أن يؤتى بلفظ يحتمل معنيين أو معاني، فيراد به أحد معانيه، ثم يتعقّب بما يفهم منه إرادة معناه الآخر، مجازا أو حقيقة بالاشتراك، أعمّ منه أو أخصّ أو مباين.
و هي طريقة في البيان أشبه بالتورية، قلّ من يستطيع سلوكها بسلام و تجنّب لأخطارها، من الوقوع في الكذب أو التشويش على السامع، بإجمال أو إبهام في كلام.
لكنه فنّ بديع و اسلوب رقيق، إن دلّ فإنّما يدلّ على سلطة في البيان، و يكون آخذا وثيقا بأعنّة الكلام يوجّهه حيثما شاء، لا يخاف دركا و لا يخشى و قد استعمله القرآن بسهولة و يسر و سلامته عن الخلل و الفساد، الأمر الذي لا يوجد نظيره في سائر الكلام.
من ذلك قوله تعالى: يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لا تَقْرَبُوا الصَّلاةَ وَ أَنْتُمْ سُكارى
[١] بديع القرآن: ص ٤٦- ٤٨.