التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٢٢ - الطريقة الاولى مجملة
إلى بيان التفرقة بينهما، و تلك المعاني التي ذكرناها فيهما حاصلة في القرآن، فيجب القضاء بكونه فصيحا، سواء قلنا إنّ الفصاحة راجعة الى الألفاظ، و البلاغة راجعة الى المعاني، أو قلنا إنهما شيء واحد يقعان على فائدة واحدة، فكل كلام فصيح فهو بليغ، و كل بليغ من الكلام فهو فصيح، فعلى جميع وجوههما فهما حاصلان في القرآن على أوضح حصول و أكمله، فيجب القضاء بكونه فصيحا، و هذا هو المقصود من الدلالة.
الثاني: هو أنك إذا فكّرت و أمعنت النظر في كلام الرسول صلّى اللّه عليه و آله و سلّم و في كلام أمير المؤمنين عليه السّلام و غيرهما ممّن كان معدودا في زمرة الفصحاء و كان له منطق في البلاغة في المواعظ و الخطب و الكلم القصيرة و مواقع الإطناب و الاختصار في المقامات المشهودة، و المحافل المجتمعة وجدت القرآن متميّزا عن تلك الكلمات كلها تمييزا لا يتمارى فيه منصف، و لا يشتبه على من له أدنى ذوق في معرفة بلاغة الكلام و فصاحته.
و ذلك التميّز تارة يكون راجعا إلى ألفاظه من فصاحة أبنيتها، و عذوبة تركيب أحرفها، و سلاسة صيغها، و كونها مجانبة للوحشيّ الغريب، و بعدها عن الركيك المسترذل، أ لا ترى قوله تعالى: وَ مِنْ آياتِهِ الْجَوارِ لم يقل الفلك لما في الجري من الإشارة إلى باهر القدرة، حيث أجراها بالريح، و هي أرقّ الأشياء و ألطفها، فحرّكت ما هو أثقل الامور و أعظمها في الجرم، و قال «في البحر» و لم يقل في الطمطام، و لا في العباب، و إن كانت كلّها من أسماء البحر، لكون البحر أسهل و أسلس، ثم قال كَالْأَعْلامِ[١] و لم يقل كالروابي، و لا كالآكام، إيثارا للأخفّ الملتذّ به، و عدولا عن الوحشيّ المشترك.
و تارة يكون راجعا إلى المعاني لإغراقها في البلاغة و رسوخها في أصلها،
[١] الشورى: ٣٢.