التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٦٩ - إيجاز قصر
مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ. ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ. ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ. ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ. كَلَّا لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ[١].
فقوله: قُتِلَ الْإِنْسانُ ... دعاء عليه. و قوله: «ما اكفره ...» تعجّب من إفراطه في كفران نعم اللّه عليه.
قال ابن الأثير: و لا نرى اسلوبا أغلظ من هذا الدعاء و التعجّب، و لا أخشن مسّا، و لا أدلّ على سخط، مع تقارب طرفيه، و لا أجمع للأئمة، على قصر متنه.
ثم إنه أخذ في صفة حاله من ابتداء حدوثه إلى منتهى أجله و مآل أمره، فقال: مِنْ أَيِّ شَيْءٍ خَلَقَهُ.
ثمّ بيّن الشيء الذي خلق منه: مِنْ نُطْفَةٍ خَلَقَهُ فَقَدَّرَهُ أي هيّأه لما يصلح له.
ثُمَّ السَّبِيلَ يَسَّرَهُ أي سهّل سبيله، و هو مخرجه من بطن امّه. أو السبيل الذي يختار سلوكه في الحياة من خير أو شر.
ثُمَّ أَماتَهُ فَأَقْبَرَهُ أي جعله ذا قبر يوارى فيه.
ثُمَّ إِذا شاءَ أَنْشَرَهُ أي أحياه ليوم النشور.
«كلّا» ردع لهذا الانسان الكفور العاتي، العاصي لأمر ربّه الكريم.
لَمَّا يَقْضِ ما أَمَرَهُ أي لم يقض مع تطاول عهده بالتكليف. يعني أنّ إنسانا لم يخل من تقصير قطّ.
أ لا ترى إلى هذا الكلام الذي لو أردت أن تحذف منه كلمة واحدة لما قدرت على ذلك، لأنك كنت ذهبت بجزء من معناه، و لأخللت بأسّ من أسس المقصود. فللّه درّه من كلام و جيز بليغ.
[١] عبس: ١٧- ٢٣.