التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤١٢ - ٥ - تكنية و تخييل
فهم إلى تسويغ ذلك مع جحد الأصل في الاستعارة أقرب[١].
و من الاستعارة المجرّدة قوله تعالى: فَأَذاقَهَا اللَّهُ لِباسَ الْجُوعِ وَ الْخَوْفِ[٢] استعير اللباس لما يبدو على الجوع الخوف من الضرّ و البؤس، و رثاثة الهيأة و انتقاع اللون و ما شابه ذلك، و كانت استعارة اللباس بالنظر إلى شمول حالة الذلّ و المسكنة لهم، لتكون الاستعارة ذات فائدة معنوية بديعة، لا لمجرّد التوسعة في الكلام.
قال التفتازاني: و إنما لم يقل: «طعم الجوع ...» و إن لاءم الاذاقة، فهو مفوّت لما يفيده لفظ اللباس من بيان أنّ الجوع و الخوف عمّ أثرهما جميع البدن عموم الملابس[٣] ثم اقترنت هذه الاستعارة بما يلائم المستعار له، فقال: «فأذاقها»، و لم يقل:
«فكساها»- حتى يكون ترشيحا و هو أبلغ من التجريد- لأنّ الإدراك بالذوق يستلزم الإدراك باللمس، دون العكس، و في الإذاقة إشعار بشدّة الإصابة و التأليم. و هذا هو السرّ في العدول من الترشيح إلى التجريد.
و من الترشيح قوله تعالى: أُولئِكَ الَّذِينَ اشْتَرَوُا الضَّلالَةَ بِالْهُدى فَما رَبِحَتْ تِجارَتُهُمْ[٤] استعير الاشتراء لمطلق الاستبدال و الاختيار، ثم فرع عليها ما يلائم الاشتراء من الربح و التجارة.
٥- تكنية و تخييل:
قد يضمر التشبيه في النفس، فلا يذكر سوى المشبّه، على خلاف سائر
[١] مفتاح العلوم: ص ١٨٣.
[٢] النحل: ١١٢.
[٣] المطوّل: ص ٣٧٨.
[٤] البقرة: ١٦.