التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٧٠ - ألوان من التخييل الحسي
التراب المهين: قالَ لَهُ صاحِبُهُ وَ هُوَ يُحاوِرُهُ أَ كَفَرْتَ بِالَّذِي خَلَقَكَ مِنْ تُرابٍ ثُمَّ مِنْ نُطْفَةٍ ثُمَّ سَوَّاكَ رَجُلًا. لكِنَّا هُوَ اللَّهُ رَبِّي وَ لا أُشْرِكُ بِرَبِّي أَحَداً. وَ لَوْ لا إِذْ دَخَلْتَ جَنَّتَكَ قُلْتَ ما شاءَ اللَّهُ لا قُوَّةَ إِلَّا بِاللَّهِ إِنْ تَرَنِ أَنَا أَقَلَّ مِنْكَ مالًا وَ وَلَداً. فَعَسى رَبِّي أَنْ يُؤْتِيَنِ خَيْراً مِنْ جَنَّتِكَ وَ يُرْسِلَ عَلَيْها حُسْباناً مِنَ السَّماءِ فَتُصْبِحَ صَعِيداً زَلَقاً. أَوْ يُصْبِحَ ماؤُها غَوْراً فَلَنْ تَسْتَطِيعَ لَهُ طَلَباً و هنا ينتهي هذا المشهد بين الصاحبين: أحدهما منتفش كالديك، ازدهاه ما في جنّته من ازدهار. و الآخر موقن باللّه، مستعزّ بالايمان، يذكّر صاحبه و يؤنّبه، و يبصّره بما كان يجب أن يصنع إذ رأى جنّته. و يبدو أنّ صاحبه لم يستمع إليه- و هذا طبيعي في هذا الموقف- فهو يقسو عليه قسوة الغاصب لدينه، و يدعو على جنّته أن يرسل اللّه عليها الصواعق، فتصبح جرداء ملساء، تزلّ فيها القدم و تزلق، أو أن يصبح ماؤها غائرا لا يستطيع أن يطلبه، فضلا عن أن يستخرجه. ثم يفترق الصاحبان و هما متغاضبان. فلننظر بعد ما ذا يكون؟! وَ أُحِيطَ بِثَمَرِهِ فَأَصْبَحَ يُقَلِّبُ كَفَّيْهِ عَلى ما أَنْفَقَ فِيها وَ هِيَ خاوِيَةٌ عَلى عُرُوشِها وَ يَقُولُ يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً. لقد استجاب اللّه دعوة الرجل المؤمن المتحدّي بلا ضرورة. فلنشهد صاحبنا شاخصا يقلّب كفّيه على ما أنفق فيها و هي خاوية على عروشها، و لندعه يندم يا لَيْتَنِي لَمْ أُشْرِكْ بِرَبِّي أَحَداً و لنسدل الستار على منظر الدمار و الاستغفار
ألوان من التخييل الحسّي:
لون من ألوان «التخييل» يمكن أن نسمّيه «التشخيص» يتمثّل في خلع الحياة على المواد الجامدة و الظواهر الطبيعية و الانفعالات الوجدانية. هذه الحياة- التي قد ترتقي فتصبح حياة إنسانية- تشمل المواد و الظواهر و الانفعالات، و تهب لهذه الأشياء كلها عواطف آدمية، و خلجات إنسانية، تشارك بها الآدميّين