التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٦٣١
و عنى بالشانئ السهميّ المرميّ بسهمه، و إنّما ذكره بصفته لا باسمه، ليتناول كل من كان في مثل حاله، من كيده بدين الحقّ و محاله، و فيه أنّه لم يتوجّه بقلبه إلى الصدق، و لم يقصد به الإفصاح عن الحق، و لم ينطق إلّا عن الشنآن الذي هو توأم البغي و الحسد، و عن البغضاء التي هي نتيجة الغيظ و الحرد[١]، و كذلك وسمه بما ينبئ عن المقت الأشدّ، و يدلّ على حنق الخصم الألدّ، و عرف الخبر ليتمّ له البتر، كأنّه الجمهور[٢] الذي يقال له الصنبور، و أقحم الفصل لبيان أنّه المعيّن لهذه النقيصة، و أنّه المشخّص لهذه الغميصة[٣]، و ذلك كلّه مع علوّ مطلعها، و تمام مقطعها[٤]، و مجاوبة عجزها لهاديتها[٥]، و سبيبها[٦] لناصيتها، و اتّصافها بما هو طراز الأمر كلّه من مجيئها، مع كونها مشحونة بالنكت الجلائل، مكتنزة بالمحاسن غير القلائل، خالية من تصنّع من يتناول التنكيت، و تعمّل من يتعاطى بمحاجّته التبكيت[٧]، كأنّها كلام من يرمي به على عواهنه، و لا يتعمّد إلى إبلاغ نكته و محاسنه، و لا يلقاك ذلك إلّا في كلام ربّ العالمين، و مدبّر الكلام و المتكلّمين، فسبحان من لو أنزل هذه الواحدة وحدها، و لم ينزل ما قبلها و ما بعدها، لكفى بها آية تغمر الأذهان، و معجزة توجب الإذعان، فكيف بما أنزل من السبع الطوال، و ما وراءها إلى المفصّل[٨]، و المفصل، يا لها من معجزة كم معجزات في طيّها، عند كل
[١] الحرد: الغضب.
[٢] كذا.
[٣] يقال: اغتمصت فلانا اغتماصا: احتقرته.
[٤] مقاطع القرآن: مواضع الوقوف.
[٥]
في الحديث:« طلعت هوادي الخيل»
يعني أوائلها، و الهادي و الهادية: العنق؛ لأنّها تتقدم على البدن، و لأنّها تهدي الجسد.
[٦] السّبيب: شعر الذنب.
[٧] بكته بالحجّة أي غلبه.
[٨] المفصّل من القرآن السبع الأخير، و ذلك للفصل بين القصص بالسور القصار، و الفواصل أواخر الآي« مفردات ألفاظ القرآن: ٣٨١».