التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٩٢ - النظر الثاني
الدعاء على الأمر لما فيه من الشوق و التوقان للنفوس. و أمّا ثانيا فجريا على ما الف من الإيقاظ و التنبيه، لأنّ كل من طالب أمرا من الامور من غيره فلا بدّ من إيقاظه و تنبيهه عليه، ليكون مستعدّا للامتثال له، فلأجل ذلك قدّم النداء على الأمر على جهة الإيقاظ و التنبيه ممّا يطلب من المأمورات.
ثم إنه قدّم نداء الأرض على نداء السماء لما ذكرناه من العناية بأمر الأرض من تلك الأوجه الخمسة، و قد ذكرناها فأغنى عن تكريرها، و لكونها صارت أصلا لما يرد من هذه الأمور الهائلة من الاغراق و الاستواء للسفينة، و إخراج من كان فيها إلى الأرض.
ثم إنه عزّ سلطانه أردفها بقوله «و غيض الماء» لاتّصاله بقصّة الأرض، و أخذه بحجزتها، فلأجل ذلك أتبعه بها، لمّا في ذلك من حسن الانتظام، و رونق الرصف، أ لا ترى أنّ أصل الكلام: و قيل يا أرض ابلعي ماءك، فبلعت ماءها، و يا سماء أقلعي عن إرسال ماءك، فأقلعت عن صبّه، فلا جرم حسن أن يقال: و غيض الماء النازل من السماء و النابع من الأرض.
ثم إنه جلّ و تقدّس أتبعه بما هو المهمّ المقصود من القصّة، و هو قوله تعالى «و قضي الأمر» و المعني به أنه أنجز الموعود من إهلاك الكفّار، و نجاة نوح و من معه في السفينة، و إخراجهم إلى الأرض، لما أراد منهم من العبادة و عمارتها، و التناسل فيها.
ثم إنه تعالى أتبعه بحديث السفينة و ذكرها، و هو قوله تعالى إعلاما لهم بما يريد من الامور التابعة للمصلحة.
ثم إنه تعالى ختم القصّة بالدعاء عليهم بالإبعاد، فلمّا كانت القصّة من أوّلها دالّة على العذاب العظيم من الإهلاك بالغرق، ختمها بما يجانسها من سوء العاقبة بالإبعاد و الطرد، كما هو موضوع في أساليب التنزيل من حسن الفواتح و الخواتم.