التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٦٥ - ٤ - تناسق نظمه و تناسب نغمه
تنويع الصوت مدّا و غنّة و لينا و شدّة و ما يتهيّأ له من حركات مختلفة، و بمقدار ما يكسبه من الحدرة و الارتفاع و الاهتزاز مما هو بلاغة الصوت في لغة الموسيقى فلو اعتبرنا ذلك في تلاوة القرآن، لرأيناه أبلغ ما تبلغ إليه اللغات كلها، في هزّ الشعور و استثارة الوجد النفسي. و من هذه الجهة تراه يغلب على طبع كل عربيّ أو عجميّ. و بذلك يؤوّل ما ورد من الحثّ على تحسين الصوت عند قراءة القرآن.
و ما هذه الفواصل التي تنتهي بها آيات القرآن إلّا صورا تامّة للأبعاد التي تنتهي بها جمل الموسيقى، و هي متّفقة مع آياتها في قرارات الصوت اتّفاقا عجيبا يلائم نوع الصوت، و الوجه الذي يساق عليه، بما ليس وراءه من العجب مذهب. و تراها أكثر ما تنتهي بالنون و الميم، و هما الحرفان الطبيعيان في الموسيقى نفسها. أو المدّ، و هو كذلك طبيعيّ في القرآن[١] و قال بعض أهل الفنّ: كثر في القرآن ختم الفواصل بحروف المدّ و اللين و إلحاق النون، و حكمة وجودها التمكّن من التطريب بذلك، كما قال سيبويه:
إنّهم- أي العرب- اذا ترنّموا يلحقون الألف و الياء و النون، لأنّهم أرادوا مدّ الصوت، و يتركون ذلك اذا لم يترنّموا. و جاء في القرآن على أسهل موقف و أعذب مقطع.
فإن لم تنته بواحدة من هذه- كأن انتهت بسكون حرف- كان ذلك متابعة لصوت الجملة و تقطيع كلماتها، و مناسبة للون المنطق بما هو أشبه و أليق بموضعه و أكثر ما يكون في الجمل القصار، و لا يكون إلّا بحرف قويّ يستتبع القلقلة أو الصفير أو نحوهما ممّا هو موصوف بضروب اخرى من النظم الموسيقى.
[١] إعجاز القرآن: ص ١٨٨ و ٢١٦.