التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٥٨ - (الضرب الأول)
بالأمثلة القليلة، فحصل من مجموع ما ذكرناه أنّ الفعل إذا كان مقدّما فهو الأصل، لأنه عامل، و من حقّ العامل أن يكون مقدّما على معموله، و إذا كان مؤخرا فهو على خلاف الأصل لغرض و فائدة كما نبّهنا عليه.
و ثالثها: توسّطه بين مفعولية، و إنما كان كذلك من أجل الاهتمام بالمقدّم منهما.
الحالة الثانية: حذفه، و هو يكون على أوجه ثلاثة: (أولها) أن يكون جوابا كقولك: من جاءك؟ فتقول: زيد، أي جاءني زيد، و إنما جاز حذفه لأجل القرينة الحالية، فلأجل هذا كانت مغنية عن ذكره، قال اللّه تعالى: وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ خَلَقَ السَّماواتِ وَ الْأَرْضَ لَيَقُولُنَّ اللَّهُ[١] و تقديره: خلقهنّ اللّه، و قال تعالى: وَ لَئِنْ سَأَلْتَهُمْ مَنْ نَزَّلَ مِنَ السَّماءِ ماءً فَأَحْيا بِهِ الْأَرْضَ مِنْ بَعْدِ مَوْتِها لَيَقُولُنَّ اللَّهُ[٢] و المعنى: نزّله اللّه. فهذان الفعلان قد حذفا، اتّكالا على القرينة الدالّة عليهما.
(و ثانيها) أن يكون المسلّط على حذفه هو كثرة الاستعمال مع قيام حرف الجرّ مقامه، و مثال ذلك قولنا (بسم اللّه) فإنه إنما يذكر للتبرّك عند كلّ فعل من الأفعال، فإنّ الفعل هاهنا يكون محذوفا، لما ذكرناه من الكثرة، و هكذا في مثل قولهم (بالرّفاء و البنين) دعاء للعرس، و المعنى: نكحت أو تزوجت بالرّفاء و البنين.
(و ثالثها) أن يكون هناك ما يدلّ على الفعل المحذوف، ممّا يشعر بالفعل، كحرف الشرط في نحو قولهم (إن ذو لوثة لانا) و المعنى: إن لان ذو لوثة لانا، و قولهم (لو ذات سوار لطمتني) و التقدير: لو لطمتني ذات سوار، قال اللّه تعالى:
قُلْ لَوْ أَنْتُمْ تَمْلِكُونَ خَزائِنَ رَحْمَةِ رَبِّي[٣] لأنّ التقدير فيه: لو تملكون، فلمّا
[١] لقمان: ٢٥، الزمر: ٣٨.
[٢] العنكبوت: ٣٣.
[٣] الإسراء: ١٠٠.