التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٤٤ - ٢ - طرافة سبكه و غرابة اسلوبه
تنبو عنها الأسماع.
و أحسن السجع ما درج عليه القرآن الكريم، و لا سيّما في سوره القصار المكية، ذوات السجعات الرنانة الأخاذة بمجامع القلوب، و سنذكر: أنّ السجع زينة للكلام اذا كان على رسله و لم يتكلّف فيه، و في القرآن منه الشيء الكثير، و هو أمر لا ينكر، لكنه ليس من النوع المتكلّف فيه، و إنما هو من المذلّل السهل، التابع للمعاني. و السجع اذا كان على هذا الوصف كان جميلا، و القرآن كلّه جميل، و يناسبه كل وسائل الجمال[١].
و إليك من أسجاع العرب ما يمجّه السمع، و قارن بينها و بين سجع القرآن البديع:
١- إنّ امرأة من بني سهم يقال لها «الغيطلة»[٢] كانت كاهنة في الجاهلية، جاءها صاحبها[٣] ليلة من الليالي فانقضّ من تحتها[٤]، ثم قال: ادر ما ادر[٥]، يوم عقر و نحر. فقالت قريش- حين بلغها ذلك-: ما يريد؟ ثم جاءها ليلة اخرى فانقضّ من تحتها، ثم قال: شعوب، ما شعوب؟ تصرع فيه كعب لجنوب. فلمّا بلغ ذلك قريشا قالوا: ما ذا يريد؟ إن هذا لأمر هو كائن! فانظروا ما هو؟ فما عرفوه حتى كانت وقعة بدر و أحد بالشعب، فعرفوا أنه الذي كان جاء به إلى صاحبته[٦].
[١] سنذكر ذلك عند الكلام عن فواصل الآي.
[٢] و في نسخة ابن إسحاق« العيطالجة».( سيرة ابن إسحاق ج ١ ص ١١٢).
[٣] أي رابطها من الجن، حسبما كانوا يزعمون.
[٤] انقضّ الطائر اذا سقط على الشيء يريده.
[٥] قال السهيلي( ج ١ ص ٢٣٩): فيه رواية اخرى:« ... و ما بدر؟ ...» و هي أبين من هذه.
[٦] سيرة ابن هشام: ج ١ ص ٢٢١- ٢٢٢. و راجع سيرة ابن إسحاق: ج ١ ص ١١٢. و السهيلي: ج ١ ص ٢٣٨- ٢٣٩.