التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٩٤ - الأول في بيان ما يتعلق بالفصاحة اللفظية
الأول منها: التجنيس، و هو على تنوّعه عبارة عن اتّفاق اللفظين في وجه من الوجوه مع اختلاف معانيهما، و هو عظيم الموقع في البلاغة، جليل القدر في الفصاحة، و لو لا ذلك لما أنزل اللّه كتابه المجيد على هذا الاسلوب، و اختاره له كغيره من سائر أساليب الفصاحة، ثم ينقسم إلى كامل و الى ناقص، فالكامل هو أن تتّفق الكلمتان في الوزن و الحركات و السكنات، و يقع الاختلاف في المعاني.
و لم يقع في كتاب اللّه تعالى تجنيس كامل إلّا في قوله تعالى: وَ يَوْمَ تَقُومُ السَّاعَةُ يُقْسِمُ الْمُجْرِمُونَ ما لَبِثُوا غَيْرَ ساعَةٍ[١]. و أمّا الناقص فأبنيته كثيرة و مضطرباته واسعة.
فمنه التجنيس الناقص، و هو أن تكون إحدى الكلمتين مشتملة على لفظ الاخرى مع زيادة، و مثاله قوله تعالى: وَ الْتَفَّتِ السَّاقُ بِالسَّاقِ. إِلى رَبِّكَ يَوْمَئِذٍ الْمَساقُ[٢] فزيادة الميم في المساق هو الذي أوجب كونه جناسا ناقصا، و هذا يقال له (المذيّل) أيضا، و منه (المصحّف) و هو أن تتّفق الكلمتان خطّا لا لفظا، و مثاله قوله تعالى: وَ هُمْ يَحْسَبُونَ أَنَّهُمْ يُحْسِنُونَ صُنْعاً[٣].
و منه (المضارع) و هو أن تتّفق الكلمتان في حرف واحد، سواء وقع أوّلا أو آخرا أو وسطا، و مثاله قوله تعالى: وَ إِذا جاءَهُمْ أَمْرٌ مِنَ الْأَمْنِ[٤] فقد اتفق الأمر و الأمن، في الهمزة و الميم.
و منه (المتوازن) و هو أن تتّفق الكلمتان في الوزن و تختلفان فيما عداه، و مثاله قوله تعالى: وَ نَمارِقُ مَصْفُوفَةٌ. وَ زَرابِيُّ مَبْثُوثَةٌ[٥].
و منه (المعكوس) و مثاله قوله تعالى: كُلٌّ فِي فَلَكٍ[٦] و معنى العكس في
[١] الروم: ٥٥.
[٢] القيامة: ٢٩ و ٣٠.
[٣] الكهف: ١٠٤.
[٤] النساء: ٨٣.
[٥] الغاشية: ١٥ و ١٦.
[٦] الأنبياء: ٣٣، يس: ٤٠.