التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٦٥ - تشخيص الحوادث الواقعة
و لا شكّ أنّه كتاب عظة و حكمة، و في نقل الحوادث و أخبار الماضين عبرة، و الحديث عن سوء المصير أو حسن الخاتمة مدعاة إلى الصلاح و تربية التقوى في النفوس. في كل ذلك لا يختلف القرآن عن غيره من كتب الإرشاد و الهداية العامّة سوى أنّ القرآن عند ما يسرد قضايا سالفة أو يخبر عن أحوال مستقبلة فإنّه يرسمها بصورة تجسيد حاضر، و كأنّها لوحة أو مشهد منظور، يتجاذب إليها نفوس النظارة و يرونها كشاهد عيان. و من ثمّ فتنتاب نفوس المستمعين من حالات وجد و رغبة أو رهب و وحشة كما تنتاب نفوس النظارة الحاضري المشهد، سواء بسواء.
ها هو ذا يتحدّث عن «الهزيمة» فيرسم لها مشهدا كاملا تبرز فيه الحركات الظاهرة و الانفعالات المضمرة، و تلتقي فيه الصورة الحسّية بالصورة النفسية، و كأنما الحادث معروف من جديد، دون أن يغفل منه قليل أو كثير:
يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا اذْكُرُوا نِعْمَةَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ جاءَتْكُمْ جُنُودٌ فَأَرْسَلْنا عَلَيْهِمْ رِيحاً وَ جُنُوداً لَمْ تَرَوْها وَ كانَ اللَّهُ بِما تَعْمَلُونَ بَصِيراً. إِذْ جاؤُكُمْ مِنْ فَوْقِكُمْ وَ مِنْ أَسْفَلَ مِنْكُمْ وَ إِذْ زاغَتِ الْأَبْصارُ وَ بَلَغَتِ الْقُلُوبُ الْحَناجِرَ وَ تَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا. هُنالِكَ ابْتُلِيَ الْمُؤْمِنُونَ وَ زُلْزِلُوا زِلْزالًا شَدِيداً. وَ إِذْ يَقُولُ الْمُنافِقُونَ وَ الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ مَرَضٌ ما وَعَدَنَا اللَّهُ وَ رَسُولُهُ إِلَّا غُرُوراً. وَ إِذْ قالَتْ طائِفَةٌ مِنْهُمْ يا أَهْلَ يَثْرِبَ لا مُقامَ لَكُمْ فَارْجِعُوا وَ يَسْتَأْذِنُ فَرِيقٌ مِنْهُمُ النَّبِيَّ يَقُولُونَ إِنَّ بُيُوتَنا عَوْرَةٌ وَ ما هِيَ بِعَوْرَةٍ إِنْ يُرِيدُونَ إِلَّا فِراراً[١] فأيّة حركة نفسية أو حسّية من حركات الهزيمة، و أيّة سمة ظاهرة أو مضمرة من سمات الموقف، لم يبرزها هذا الشريط الدقيق المتحرّك، المساوق في حركته لحركة الموقف كله؟
[١] الأحزاب: ٩- ١٣.