التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٥ - نماذج من فوارق اللغة
الدارين ثمره[١].
و قال أبو هلال العسكري (المتوفى حدود سنة ٤٠٠): إنّ اختلاف العبارات و الأسماء يوجب اختلاف المعاني، لأنّ الاسم كلمة تدلّ على معنى دلالة بالإشارة، فاذا اشير إلى الشيء مرّة فالإشارة إليه ثانية و ثالثة غير مفيدة، و واضع اللغة حكيم لا يأتي بما لا يفيد، فإن اشير منه في الثاني و الثالث إلى خلاف ما اشير إليه في الأول كان ذلك صوابا، فهذا يدلّ على أنّ كلّ اسمين يجريان على معنى من المعاني و عين من الأعيان في لغة واحدة، فإنّ كل واحد منهما يقتضي خلاف ما يقتضيه الآخر، و إلّا لكان الثاني فضلا لا يحتاج إليه و إلى هذا ذهب المحقّقون من العلماء. و إليه أشار المبرّد في تفسير قوله تعالى:
لِكُلٍّ جَعَلْنا مِنْكُمْ شِرْعَةً وَ مِنْهاجاً[٢] قال: فعطف «شرعة» على «منهاج»، لأنّ الشرعة لأول الشيء و المنهاج لمعظمه و متّسعه. و استشهد على ذلك بقولهم:
شرع فلان في كذا، اذا ابتدأه، و أنهج البلى في الثوب، إذا اتّسع فيه. قال:
و يعطف الشيء على الشيء و إن كانا يرجعان إلى شيء واحد إذا كان في أحدهما خلاف للآخر، فأمّا إذا اريد بالثاني ما اريد بالأول فعطف أحدهما على الآخر خطأ. قال الشاعر:
|
امرتك الخير فافعل ما امرت به |
فقد تركتك ذا مال و ذا نشب |
|
قال المبرّد: المال إذا لم يقيّد فإنما يعنى به الصامت، و أمّا النشب فهو ما ينشب و يثبت من العقارات، فقد اختلفا.
و كذلك قول الحطيئة:
|
ألا حبّذا هند و أرض بها هند |
و هند أتى من دونها النأي و البعد |
|
[١] فقه اللغة و سر العربية: ص ٢١.
[٢] المائدة: ٤٨.