التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢١٨ - خاتمة
غيرها لا يتّجه التخصيص المذكور لأنّ خصوص السبب لا يخصّص المسبّب[١] و لو تمسّك بالوقوف على موضع النصّ و الاقتصار عليه.
قلنا: الوقوف و الاقتصار إنما يجوز إذا كان المنصوص عليه مخالفا لأصل من الاصول، و قد عرفت خلافه. و بالجملة، أمثال هذه الجسارات تشريع محض و تحريم لما أصّله اللّه. و نبيّنا (صلّى اللّه عليه و آله) مع جلالة شأنه و كونه سيّد الرسل و حبيب إله العالمين، لمّا حرّم على نفسه ما حرّم لما جرى بينه و بين بعض أزواجه شدّد اللّه عليه النكير بقوله عزّ من قائل يا أَيُّهَا النَّبِيُّ لِمَ تُحَرِّمُ ما أَحَلَّ اللَّهُ لَكَ الآية[٢] فكيف يكون معاملته مع من حرّم على غيره ما أحلّ اللّه له متقوّلا عليه تعالى، و قد قال عزّ من قائل وَ لَوْ تَقَوَّلَ عَلَيْنا بَعْضَ الْأَقاوِيلِ. لَأَخَذْنا مِنْهُ بِالْيَمِينِ. ثُمَّ لَقَطَعْنا مِنْهُ الْوَتِينَ. فَما مِنْكُمْ مِنْ أَحَدٍ عَنْهُ حاجِزِينَ[٣] فإذا كانت معاملته تعالى مع نبيّه المعلّى على هذا التقدير هكذا فما ظنّك بمعاملته مع غيره. و هذا ابن طاوس مع علوّ قدره في سائر العلوم لا سيّما العلوم النقلية لمّا تدبّر في هذه الآية سلك مسلك الاحتياط و اجتنب عن التصنيف في علم الفقه لئلّا يكون من المتقوّلين على اللّه، و المحتاط يحتاط هكذا، لا من لا يأمن من شرّ لسانه المؤمنون و المؤمنات بإسناد ارتكاب المحرّمات إليهم، عصمنا اللّه تعالى من شرور أنفسنا و سيّئات أعمالنا إنه على كل شيء قدير و بالإجابة حريّ و جدير.
خاتمة
لمّا أصّل المخالفون في زمن دولة بني العباس القياس و الأخذ بالآراء
[١] في هذه العبارة ايماء لطيف لا يخفى على متتبّعي علم المعاني( المؤلف).
[٢] التحريم: ١.
[٣] الحاقّة: ٤٤- ٤٧.