التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٨٤ - مناسبة الفواصل كفة راجحة
كثر في الفواصل التضمين و الايطاء، لأنّهما ليسا بعيبين في النثر و إن كانا عيبين في النظم. فالتضمين أن يكون ما بعد الفاصلة متعلّقا بها، كقوله تعالى:
وَ إِنَّكُمْ لَتَمُرُّونَ عَلَيْهِمْ مُصْبِحِينَ وَ بِاللَّيْلِ أَ فَلا تَعْقِلُونَ[١] و الإيطاء تكرّر الفاصلة بلفظها، كقوله تعالى: هَلْ كُنْتُ إِلَّا بَشَراً رَسُولًا. و ختم بذلك الآيتين بعدها أيضا[٢].
مناسبة الفواصل كفّة راجحة
لا شكّ أنّ إيقاع المناسبة في مقاطع الفواصل حيث تطّرد كفّة راجحة و أمر متأكّد عليه، نظرا لتأثيره في اعتدال نسق الكلام و حسن موقعه في النفس التأثير البالغ. و من ثمّ فاذا تزاحمت مراعاته مع مراعاة قواعد اللغة- اذا كانت لفظية بحتة لا طائل تحتها- فإنّه يترجّح عليها، كما هو في الشعر و السجع و غيرهما من كل كلام رتيب. و قد سبق ذلك في كلام العلّامة الزمخشري نقلا عن كشّافه القديم[٣].
و فيما يلي عرض نموذجي لمواضع جاء فيها إيثار الفاصلة على متعارف اللغة:
١- زيادة حروف المدّ و اللين في الرويّ، على ما تقدّم في كلام سيبويه.
و منه قوله تعالى: وَ تَظُنُّونَ بِاللَّهِ الظُّنُونَا[٤] لأنّ مقاطع الفواصل في هذه السورة ألفات منقلبة عن تنوين في الوقف، فزيد هنا ألف على النون لتتساوى المقاطع.
و قوله: فَأَضَلُّونَا السَّبِيلَا[٥] و أَطَعْنَا الرَّسُولَا[٦].
[١] الصافّات: ١٣٨.
[٢] الإسراء: ٩٣- ٩٥.
[٣] البرهان للزركشي: ج ١ ص ٧٢ و تقدّم في ص ٢٧٦.
[٤] الأحزاب: ١٠.
[٥] الأحزاب: ٦٧.
[٦] الأحزاب: ٦٦.