التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٦١٩
أنزل عليه خير كتاب، و أصحابه الذين قرنهم به خير أصحاب، و زمانه الذي بعثه فيه خير زمان، و لسانه الذي نطق به خير لسان، و لا يحسن أن ينزل على أفضل رسول، أفضل كتاب بلسان مفضول، و من لم يعقل عن اللّه تعالى:
بِلِسانٍ عَرَبِيٍّ مُبِينٍ[١] فلا عقل، و من لم ينقل: (خير اللسان العربي) فلا نقل، ثمّ هو لسان أهل الجنّة، و ذلك طول من ذي الطول و المنّة.
و وجدت العرب كما يتباهون بالشدّة في مواطن الحرب، و بالنجدة في مقاوم الطعن و الضرب، و بدقّهم في النحو صدور الرماح، و حطمهم في الرقاب متون الصفاح، يتحلّقون فيعدّون أيّامهم في الجاهلية و الإسلام، و وقائعهم في أشهر الحلّ و الإحرام، كذلك حالهم في التباهي بالكلام الفحل، و التباري في المنطق الجزل، و الافتخار بالألسن اللدّ، و إرسالها في أودية الهزل و الجدّ، و بثبات الغدر[٢] في مواقف الجدل و الخصام، و عند مصاكّ الركب و مصافّ الأقدام، ليسوا في مجالدتهم بأشدّ منهم في مجادلتهم، و لا في مقاتلتهم بأحد منهم في مقاولتهم، و لقد نطقت بذلك أشعارهم، و شهدت به آثارهم.
قال لبيد[٣]:
|
و مقام ضيّق فرّجته |
ببياني و لساني و جدل |
|
[١] الشعراء: ١٩٥.
[٢] يقال: رجل ثبت الغدر أي: ثابت في قتال أو كلام.
[٣] لبيد بن ربيعة بن مالك، أبو عقيل العامري، أحد الشعراء الفرسان الأشراف في الجاهلية من أهل عالية نجد، أدرك الإسلام، و وفد على النبي صلّى اللّه عليه و آله، و يعدّ من الصحابة و من المؤلّفة قلوبهم، و ترك الشعر، فلم يقل في الاسلام إلّا بيتا واحدا، قيل هو:
|
ما عاتب المرء الكريم كنفسه |
و المرء يصلحه الجليس الصالح |
|