التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٥٥ - الخامس النداء
الحصول، فلهذا أشبه المتمنّى لمّا كان قد يكون في الممكن و غير الممكن، و السبب في خروج بعض هذه المعاني إلى بعض هو تقاربها، و المعتمد في ذلك على قرائن الأحوال، فلأجل ذلك يجوز استعمال بعضها مكان بعض.
الخامس: النداء
و هو من جملة المعاني الإنشائية الطلبية، و لهذا فإنه إذا قيل: يا زيد، لم يقل فيه: صدقت أو كذبت لما كان إنشاء، و حروفه يا، و أخواتها، فمنها ما يستعمل للقريب كالهمزة، و منها ما يستعمل للبعيد كأيا، و منها ما يستعمل فيهما جميعا، و هو (يا) كما هو مقرّر في علم الإعراب. و معنى النداء هو التصويب بالمنادى لإقباله عليك، هذا هو الأصل في النداء. و قد تخرج صيغة النداء إلى أن يكون المراد منها غير الإقبال، بل يراد منها التخصيص كقولك: أمّا أنا فأفعل كذا أيّها الرجل، و نحن نفعل كذا أيّها القوم، و اللّهمّ اغفر لنا أيّتها العصابة، و لم يعنو بالرجل، و القوم، إلّا أنفسهم، و هكذا مرادهم بأنّا، و نحن، فلو كان منادى لكان المقصود غيره، كما إذا قلت: يا زيد، فإن المنادي الطالب هو غير المنادى المطلوب، فهذا ما أردنا ذكره من الامور الإنشائية الطلبية، و اللّه أعلم.
(دقيقة) اعلم أنّ الخبر و الإنشاء متضادّان، لأنّ الخبر ما كان محتملا للصدق و الكذب، و الإنشاء ما ليس يحتمل صدقا و لا كذبا، فلا يجوز في صيغة واحدة أن تكون حاملة إنشاء و خبرا، لما ذكرناه من التناقض بينهما، نعم قد ترد صيغة الخبر و المقصود بها الإنشاء، إمّا لطلب الفعل، و إمّا لإظهار الحرص على وقوعه، و هذا كقوله تعالى: وَ الْوالِداتُ يُرْضِعْنَ أَوْلادَهُنَّ حَوْلَيْنِ[١] و نحو قوله
[١] البقرة: ٢٣٣.