التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٦ - ١ - دقيق تعبيره و رقيق تحبيره
ثمّ يعرف فيما حقّه الوصل موضع الواو من موضع الفاء، و موضع الفاء من موضع «ثمّ»، و موضع «أو» من موضع «أم»، و موضع «لكن» من موضع «بل» و يتصرف في التعريف و التنكير و التقديم و التأخير في الكلام كله، و في الحذف و التكرار و الإضمار و الإظهار، فيضع كلّا من ذلك مكانه، و يصيب بكل موضعه، و يستعمله على الصحة و على ما ينبغي له.
هذا هو سبيل النظم في الكلام، فلا ترى كلاما قد وصف بصحة نظم أو فساده، أو وصف بمزية و فضل فيه، إلّا و تجد مرجعه إلى ذلك. و هذه جملة لا تزداد فيها نظرا إلّا ازددت لها تصوّرا و ازدادت عندك صحة و ازددت بها ثقة.
و إذ قد عرفت ذلك فاعمد إلى ما تواصفوه بالحسن، و تشاهدوا له بالفضل، ثمّ جعلوه كذلك من أجل النظم خصوصا، دون غيره ممّا يستحسن له الشعر أو غير الشعر، و من معنى لطيف أو حكمة طريفة أو أدب رفيع أو استعارة بديعة أو تجنيس أو غير ذلك، فاذا رأيتك قد ارتحت و اهتززت و استحسنت فانظر إلى حركات الا ريحيّة ممّ كانت؟ و عند ما ظهرت؟ فإنك ترى عيانا أنّ الذي قلت لك كما قلت.
ثمّ اعلم أن ليست المزيّة في نفسها و من حيث هي على الإطلاق، و لكن تعرض بسبب المعاني و الأغراض التي يوضع لها الكلام، ثمّ بحسب موقع بعضها من بعض، و استعمال بعضها مع بعض. فليس من فضل و مزية إلّا بحسب الموضع و بحسب المعنى الذي تريد و الغرض الذي تؤمّ. و إنما سبيل هذه المعاني سبيل الأصباغ التي تعمل منها الصور و النقوش. فكما أنّ الصابغ قد يهتدي في الأصباغ التي عمل منها الصور و النقوش إلى ضرب من التخيّر و التدبّر في نفس الأصباغ و في مواقعها و مقاديرها و كيفية مزجها و ترتيبها ما لم يهتد إليه غيره فجاء نقشه من أجل ذلك أعجب و صورته أغرب كذلك حال الشاعر و الكاتب في اختيار نوع الكلمات و الأساليب و التعابير.