التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٢٢ - حكمة الكناية و فوائدها
هادئ، لكنه الماء الحامل للخير و الحياة، و سرعان ما تنصع حقيقته الصافية، و ينقشع عن وجهه غبار الأوهام. كذلك يتصوّر في المعادن و الفلزّات التي تذاب لتصاغ منها الحلي أو الأواني و الآلات النافعة للحياة، فإنها عند الذوبان يطفو عليها الخبث و قد يحجب وجه الفلز الأصيل، و لكنه بعد خبث يذهب جفاء، و يبقى الفلز نقيّا خالصا نافعا في الحياة.
و ذلك مثل الحقّ يجلّله غبار الباطل أحيانا، لكنه لا يلبث أن ينصدع فتتجلّى الحقيقة ناصعة بيضاء لامعة. بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ و من ثم عقّبه بقوله: وَ لَكُمُ الْوَيْلُ مِمَّا تَصِفُونَ[١] تصف ألسنتكم الكذب من تشكيك و أوهام و خرافات[٢].
حكمة الكناية و فوائدها
للكناية فوائد و حكم ذكرها أرباب البيان، و لخّصها جلال الدين السيوطي في ستة وجوه:
أحدها: التنبيه على عظم القدرة، نحو: هُوَ الَّذِي خَلَقَكُمْ مِنْ نَفْسٍ واحِدَةٍ[٣] كناية عن آدم (عليه السّلام) فإنّ إخراج الذرّ الكثير من أصل واحد دليل على عظمة الصانع تعالى و قدرته الخارقة. فلو كان صرّح باسمه (عليه السّلام) لكانت إشادة بشأنه بالذات.
ثانيها: ترك اللفظ إلى ما هو أجمل، نحو:
[١] الأنبياء: ١٨.
[٢] الكشاف: ج ٢ ص ٥٢٣، المثل السائر: ج ٣ ص ٦٣، في ظلال القرآن: ج ٥ ص ٨٥.
[٣] الأعراف: ١٨٩.