التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٣٩ - ٢ - طرافة سبكه و غرابة اسلوبه
الخطب و المقالات التي يتعاهدها أرباب القلم و البيان، و لا كان فيه تكلّف سجع الكهّان و هذرهم في سرد ألفاظ و تعابير نابية عن مواضعها، غير متلائمة مع فحوى الكلام ...
و ليس معنى ذلك أنّ القرآن ابتعد عن جميع أساليب الكلام المعروفة عند العرب، ليكون غير مألوف بتاتا ... بل أتى باسلوب جامع لمحاسن الكلام من غير كلفة، و اتّخذ طريقة في الإفادة و الإيفاء، لم تشذّ عن الطرائق المعهودة، غير أنه سلك من كل نوع أفضله، و أخذ من كل فضيلة أشرفها، فكانت فيه خاصّية جميع أنواع الكلام، من شعر موزون، و نثر منطلق، و سجع رصين ...
فجاء نمطا جامعا لمزايا أنواع الكلام، من غير أن يكون أحدها ... الأمر الذي عجز عنه الأوائل و الأواخر سواء.
و من ثم فالقرآن نمط من الكلام، بديع في سبكه و عجيب في اسلوبه، لكنه من جنس الكلام المألوف و إن كان بارعا في نظمه و رصفه:
|
فإن تفق الأنام و أنت منهم |
فإنّ المسك بعض دم الغزال |
|
وَ هذا لِسانٌ عَرَبِيٌّ مُبِينٌ[١]. قُرْآناً عَرَبِيًّا غَيْرَ ذِي عِوَجٍ[٢] اذا لم يكن القرآن قد ابتعد عن أساليب الكلام المعروفة، و لم تكن البراعة في الجمع بين مزايا الكلام ممّا يوجب خروجه عن المألوف المعهود ... الأمر الذي ليس بعزيز في تمايز كلام عن كلام و تفاوت درجات البيان في الإجادة و الايفاء.
و عليه فلا موضع لقول بعضهم: لو صحّ أنّ نقض العادة بضروب جديدة
[١] النحل: ١٠٣.
[٢] الزمر: ٢٨.