التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٦٣٣
و افتضاح الشّبهة و قد افتضحت، و إذا حصل الغرض، فليس وراءه معترض.
و أمّا إغفال السلف لما نحن بصدده، و إهمالهم الدلالة على سننه، و المشي على جدده[١]، فلأنّ القوم كانوا أبناء الآخرة، و إن نشئوا في حجر هذه الغادرة، ديدنهم قصر الآمال، و أخذ العلوم لتصحيح الأعمال، و كانوا يتوخّون الأهمّ فالأهمّ، و الأولى فالأولى، و الأزلف فالأزلف من مرضاة المولى، و لأنّهم كانوا مشاغيل بجرّ أعباء الجهاد، معنّين[٢] بتقويم صفات أهل العناد، معكوفي الهمم على نشر الأعلام لنصرة الإسلام، فكان ما بعث به النبيّ عليه الصلاة و السلام لتعليمه و تلقينه، و أرسل للتوقيف عليه و تبيينه، أهمّ عندهم ممّا كانوا مطبوعين على معرفته، مجبولين على تبيّن حاله و صفته، و كان إذ ذاك البيان غضّا طريّا، و اللسان سليما من اللكنة بريّا، و طريق الفصاحة مسلوكة سائرة، و منازلها مأهولة عامرة، و قد مهّد عذرهم تعويلهم على ما شاع و تواتر، و استفاض و تظاهر، من عجز العرب و ثبات العلم به و رسوخه في الصدور، و بقائه في القلوب على ممرّ العصور.
و بعد انقراض اولئك العرب، المالئة دلو البلاغة الى عقد الكرب[٣]، و بقاء رباعها[٤] بغير طلل[٥] و رسم[٦]، و ذهابها ذهاب جديس و طسم[٧]، لم
[١] الجدد: الأرض الصلبة، و في المثل:« من سلك الجدد أمن العثار».
[٢] معنّين: أي متعبين.
[٣] مثل سائر مأخوذ من قول الفضل بن عباس بن عتبة بن أبي لهب حيث يقول:
|
من يساجلني يساجل ماجدا |
يملأ الدلو إلى عقد الكرب |
|
[٤] الربع: المنزل و دار الإقامة، و ربع القوم محلّتهم، و الرّباع جمعه.
[٥] الطلل: ما شخص من آثار الدار، و الجمع: أطلال و طلول.
[٦] الرسم: الأثر.
[٧] جديس: قبيلة من العرب العارية البائدة، كانت مساكنهم اليمامة و البحرين، و كان يجاورهم طسم، و هي قبيلة من العرب العاربة أيضا، تنتسب إلى طسم بن لاوذ بن إرم بن سام بن نوح، و قد انقرضت. انظر« معجم قبائل العرب ١: ١٧٢ و ٢: ٦٨٠، و مصادره»