التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٢٠ - ٩ - لطيف كنايته و ظريف تعريضه
و من لطيف الكناية و حسنها ما يأتي بلفظة «مثل» في قولك «مثلك لا يبخل» حيث نفيت عنه القبيح بأحسن وجه. لأنه إذا نفاه عمّن يماثله فقد نفاه عنه لا محالة، إذ هو بنفي ذلك عنه أجدر، و إلّا لم يكونا متماثلين.
و عليه ورد قوله تعالى: لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ[١] و إن كان اللّه سبحانه لا مثل له، لكنه كناية عن نفي مشابهته لشيء بأبلغ وجه. لأنّ مثله تعالى- فرضا- إذا لم يكن له مثيل فهو تعالى أولى بأن لا يكون له نظير.
و من ذلك أيضا قوله تعالى: أَ يُحِبُّ أَحَدُكُمْ أَنْ يَأْكُلَ لَحْمَ أَخِيهِ مَيْتاً فَكَرِهْتُمُوهُ[٢]. فإنه كنّى عن الغيبة بأكل الإنسان لحم إنسان آخر مثله، و لم يقتصر على ذلك حتى جعله ميّتا، ثمّ جعل ما هو في الغاية من الكراهة موصولا بالمحبّة. قال ابن الأثير: فهذه أربع دلالات واقعة على ما قصدت له مطابقة للمعنى الذي وردت من أجله.
أمّا جعل الغيبة كأكل لحوم الناس فهو شديد المناسبة جدّا، لأنّها ذكر مثالب المغتاب و الوقوع في عرضه، بل و الحطّ من كرامته بما يهدم شخصيته و إيجاب النفرة منه. الأمر الذي يستدعي إبعاده عن الحياة العامّة، و لا سيّما الحياة العملية المبتنية على تبادل الثقة بين أفراد الجامعة، فلا يعتمده إنسان و لا يثق به غيره بعد حصول هذه النفرة بينه و بين سائر الناس. كل ذلك مغبّة فضحه بين الناس بسبب إبداء معايبه الخفية بالاغتياب، فكان كعضو أشلّ لهيكل الجامعة الانسانية، و كان موته و شلله حينذاك سواء. إذا فالذي يفعله المغتاب يشبه تماما بمن قتل أخاه (العضو الفعّال الآخر للجامعة) و اقتات على
[١] الشورى: ١١.
[٢] الحجرات: ١٢.