التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٩٨ - سطوع براهينه
و أجمل حجاج جاء إفحاما للخصم و دحضا لحجّته قوله تعالى: وَ أَقْسَمُوا بِاللَّهِ جَهْدَ أَيْمانِهِمْ لا يَبْعَثُ اللَّهُ مَنْ يَمُوتُ بَلى وَعْداً عَلَيْهِ حَقًّا وَ لكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لا يَعْلَمُونَ. لِيُبَيِّنَ لَهُمُ الَّذِي يَخْتَلِفُونَ فِيهِ وَ لِيَعْلَمَ الَّذِينَ كَفَرُوا أَنَّهُمْ كانُوا كاذِبِينَ. إِنَّما قَوْلُنا لِشَيْءٍ إِذا أَرَدْناهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ[١].
انظر إلى هذه المحاججة اللطيفة و الردّ الجميل، كيف أنّهم أقسموا باللّه لإنكار البعث، فردّ عليهم بقوله «بلى»! و أنّ الّذي تقسمون به فانه يناقضكم صريحا! ثم قرّر البعث ببيان سببه الموجب، و أخيرا إمكانه بعظيم قدرته.
و لابن السيّد هنا- في هذه الآية- بيان لطيف أورده السيوطي في الإتقان، قال: و تقريرها، أنّ اختلاف الناس في الحقّ لا يوجب انقلاب الحقّ في نفسه، و إنما تختلف الطرق الموصلة إليه، و الحقّ في نفسه واحد. فلمّا ثبت أنّ هاهنا حقيقة موجودة لا محالة، و كان لا سبيل لنا في حياتنا إلى الوقوف عليها وقوفا يوجب الائتلاف و يرفع عنّا الاختلاف، إذ كان الاختلاف مركوزا في فطرنا، و كان لا يمكن ارتفاعه و زواله إلّا بارتفاع هذه الجبلّة، و نقلها إلى صورة غيرها، صحّ- ضرورة- أنّ لنا حياة اخرى غير هذه الحياة، فيها يرتفع الخلاف و العناد و هذه هي الحالة التي وعد اللّه بالمصير إليها، فقال: وَ نَزَعْنا ما فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍ[٢] أي حقد. فقد صار الخلاف الموجود- كما ترى- أوضح دليل على كون (أي ثبوت) البعث الذي ينكره المنكرون[٣].
[١] النحل: ٣٨- ٤٠.
[٢] الأعراف: ٤٣.
[٣] الاتقان: ج ٤ ص ٥٤.