التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٩٦ - الأول في بيان ما يتعلق بالفصاحة اللفظية
لَيْسَ لَهُمْ طَعامٌ إِلَّا مِنْ ضَرِيعٍ. لا يُسْمِنُ وَ لا يُغْنِي مِنْ جُوعٍ[١] و قوله تعالى: أَ فَلا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ. وَ إِلَى السَّماءِ كَيْفَ رُفِعَتْ[٢].
و أكثر العلماء على حسن استعماله، و لهذا ورد القرآن على استعماله، و منهم من أنكره.
ثم إنّ الفواصل التي تكون مقرّرة عليها الآي أقلّها فاصلتان، و يردان على أوجه ثلاثة:
(أولها) أن تكونا متساويتين في أنفسهما من غير زيادة و لا نقصان، و هذا كقوله تعالى: وَ الْعادِياتِ ضَبْحاً. فَالْمُورِياتِ قَدْحاً، فَالْمُغِيراتِ صُبْحاً[٣] و قوله تعالى: فَأَمَّا الْيَتِيمَ فَلا تَقْهَرْ. وَ أَمَّا السَّائِلَ فَلا تَنْهَرْ[٤] (و ثانيها) أن تكون الفقرة الثانية أطول من الأولى، و مثاله قوله تعالى: بَلْ كَذَّبُوا بِالسَّاعَةِ وَ أَعْتَدْنا لِمَنْ كَذَّبَ بِالسَّاعَةِ سَعِيراً. إِذا رَأَتْهُمْ مِنْ مَكانٍ بَعِيدٍ سَمِعُوا لَها تَغَيُّظاً وَ زَفِيراً. وَ إِذا أُلْقُوا مِنْها مَكاناً ضَيِّقاً مُقَرَّنِينَ دَعَوْا هُنالِكَ ثُبُوراً[٥] فالثانية كما ترى أطول من الأولى.
(و ثالثها) عكس هذا، و هو أن تكون الثانية أقصر من الاولى، و هو معيب عند جماهير أهل هذه الصناعة، و لا يكاد يوجد من هذا الضرب شيء في القرآن، و إنّما أكثر وروده على الوجهين الآخرين.
الثالث: لزوم ما لا يلزم، و يقال له الإعنات أيضا، و قد ورد في كتاب اللّه تعالى، و حاصله أن يلتزم الناثر حرفا مخصوصا مع اتّفاق الكلمتين في الإعجاز، و مثاله قوله تعالى: وَ الطُّورِ. وَ كِتابٍ مَسْطُورٍ[٦] فالتزم وجود الواو مع التزام الراء في آخر السجعتين.
[١] الغاشية: ٦ و ٧.
[٢] الغاشية: ١٧ و ١٨.
[٣] العاديات: ١- ٣.
[٤] الضحى: ٩ و ١٠.
[٥] الفرقان: ١١- ١٣.
[٦] الطور: ١ و ٢.