التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٩٨ - الأول في بيان ما يتعلق بالفصاحة اللفظية
السادس: الترصيع، و هو من علم البديع بمحلّ و مكان رفيع، و لم يرد في القرآن شيء منه على علوّ قدره و ظهور بلاغته، و هو قليل نادر لصعوبة الأمر فيه، و لو لا ما ورد من اختلاف الجمعين في الأبرار و الفجّار و في قوله: لَفِي نَعِيمٍ لكان ترصيعا في قوله تعالى: إِنَّ الْأَبْرارَ لَفِي نَعِيمٍ. وَ إِنَّ الْفُجَّارَ لَفِي جَحِيمٍ[١] فإنه لو أبدل الفجّار بلفظ يوازن الأبرار و أبدل لفظ في لكان ترصيعا، لكن لمّا ورد هكذا لم يعدّ ترصيعا، فلو قال مثلا: إنّ الأبرار لفي نعيم، و إنّ الأشرار لمن جحيم، لكان ترصيعا، و لكنه جمع الفجّار للكثرة، و جمع الأبرار للقلّة، فأخرجه عمّا يرد من الترصيع تنبيها على قلّة أهل الإيمان و كثرة أهل الفجور، و قد عرفت مثاله لو ورد على ما قلناه.
السابع: اللفّ و النشر، و هو ذكر الشيئين على جهة الاجتماع مطلقين من غير تقييد، ثم يرمي بما يليق بكل واحد منهما اتّكالا على قريحة السامع، بأن يلحق بكل واحد منهما ما يستحقّه، و مثاله قوله تعالى: وَ مِنْ رَحْمَتِهِ جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ وَ النَّهارَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ[٢] فجمع أولا بين الليل و النهار بواو العطف، ثم إنه بعد ذلك أضاف إلى كل واحد منهما ما يليق به، فأضاف السكون الى الليل، من جهة أنّ تصرّف الخلق يقلّ ليلا لأجل ما يعتريهم من النوم، ثم قال بعد ذلك وَ لِتَبْتَغُوا مِنْ فَضْلِهِ أضافه إلى النهار، لأنّ ابتغاء الأرزاق إنما يكون نهارا بالتصرّف و الاحتيال، و اكتفى في البيان و التفصيل بما يظهر من قرينة الحال في معرفة حكم كل واحد منهما كما مرّ بيانه.
الثامن: الموازنة، و هو اتّفاق آخر الفقرتين في الوزن، و إن لم يتجانسا في الأحرف، و مثاله قوله تعالى: وَ آتَيْناهُمَا الْكِتابَ الْمُسْتَبِينَ. وَ هَدَيْناهُمَا الصِّراطَ الْمُسْتَقِيمَ[٣] فقوله: المستبين، و المستقيم، وزنهما واحد كما ترى، و نحو قوله
[١] الانفطار: ١٣ و ١٤.
[٢] القصص: ٧٣.
[٣] الصّافات: ١١٧ و ١١٨.