التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٧٢ - دعوة زكريا ربه
العالم ذرّيته، و انبتر أمر شانئه الأبتر، و انقطع ذنبه و عقبه كما ذكر[١].
دعوة زكريا ربّه:
هناك وقع دعاء زكريا ربّه- فيما حكى اللّه سبحانه: قالَ رَبِّ إِنِّي وَهَنَ الْعَظْمُ مِنِّي وَ اشْتَعَلَ الرَّأْسُ شَيْباً[٢] موقع إعجاب و إكبار علماء المعاني و البيان، بهرتهم لطافة صنعه و إناقة رصفه، مشتملا على مزايا و محاسن جمّة لا يحويها سائر الكلام. و قد تعرّض لها صاحب «الطراز» و عدّد محاسنها درجة درجة حتى بلغ العشرة عدد الكمال. و قدّم لذلك مقدّمة قال فيها:
اعلم أنّ القرآن إنما صار معجزا لكونه دالّا على تلك المحاسن و المزايا التي لم يختصّ بها غيره من سائر الكلام، و لا يجوز أن تكون راجعة إلى الدلالات الوضعية، سواء كانت باعتبار دلالتها على معانيها الوضعية، أو مجردة عنها، و قد ذهب إلى ذلك أقوام، و هو فاسد لأمرين، أمّا (أوّلا) فلأنّ الكلمة الواحدة قد تكون فصيحة اذا وقعت في محلّ، و غير فصيحة اذا وقعت في محلّ آخر، فلو كان الأمر: في الفصاحة و البلاغة راجعا إلى مجرّد الألفاظ الوضعية لمّا اختلف ذلك بحسب اختلاف المواضع، و أمّا (ثانيا) فلأنّ الاستعارة و التشبيه و التمثيل و الكناية من أعظم قواعد الفصاحة و أبلغها. و إنما كانت كذلك باعتبار دلالتها على المعاني لا باعتبار ألفاظها. فصارت الدلالة على وجهين:
الوجه الأول: دلالة وضعية، و هذه لا تعلّق لها بالبلاغة و الفصاحة كما مهّدنا طريقه.
و ثانيهما: الدلالة المعنوية، و دلالتها إمّا بالتضمّن أو بالالتزام، و هما عقليّان
[١] تفسير جوامع الجامع: ص ٥٥٤.
[٢] مريم: ٤.