التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٣٤ - ٧ - حسن تشبيهه و جمال تصويره
بأوجز بيان ممكن، فجمع إلى فضيلة البيان فضيلة الايجاز و المبالغة و الايفاء.
قال: إلّا أنّه من بين أنواع علم البيان مستوعر المذهب، و هو مقتل من مقاتل البلاغة، لأنّ حمل الشيء على الشيء بالمماثلة، إمّا صورة أو في خفايا المعنى، ممّا يعزّ صوابه و تعسّر الإجادة فيه، و قلّما أكثر منه أحد إلّا عثر، و خاض في عبابه إلّا غرق. فكم من أدباء و بلغاء اكثروا منه إلّا زلّوا، و خاضوا لججه إلّا عاثوا و ماثوا، كما فعل ابن المعتزّ من ادباء العراق، و ابن وكيع من ادباء مصر، إنّهما أكثرا من ذلك، فلا جرم أنّهما أتيا بالغثّ البارد الذي لا يثبت على محكّ الصواب[١].
و التشبيه الذي نبحث عنه لا يخصّ ما كان تشبيها بالتصريح، و إنّما يعمّ التشبيه المضمر في أنواع الاستعارة و التمثيل و غيرهما ممّا هو محطّ بلاغة الكلام.
و الغرض من التشبيه لا يحصر في عدّ، حسبما يأتي في كلام الجرجاني، و إنّما فائدته العامّة هي: أنك اذا شبّهت شيئا بآخر فإنّما تقصد إلى تخييل صورة في النفس تشبه صورة المشبّه به المعروفة عند السامع، فيرغب فيه أو ينفر عنه، حسبما اوتي المشبّه به من حظّ الحسن أو القبح في النفوس. و هذا يوجب رفعة شأن المشبّه أو ضعته، تحسينه أو تقبيحه، على درجة قوة أداة التصوير في مقام التشبيه. الأمر الذي يرتبط و قدرة المتكلّم في حسن الأداء و الإجادة في البيان قال السكاكي: و الغرض من التشبيه يعود في الأغلب إلى المشبّه، إمّا لبيان إمكانه، كقول أبي الطيب:
|
فإن تفق الأنام و أنت منهم |
فإنّ المسك بعض دم الغزال |
|
فإنّه لمّا أراد تفصيل الممدوح على سائر الناس، مع أنّه من جنسهم، فقد
[١] المثل السائر: ج ٢ ص ١٢٣.