التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٨١ - تجسيم الأعمال و تجسيد المعنويات
فَأَمَّا مَنْ ثَقُلَتْ مَوازِينُهُ ... وَ أَمَّا مَنْ خَفَّتْ مَوازِينُهُ[١]. وَ إِنْ كانَ مِثْقالَ حَبَّةٍ مِنْ خَرْدَلٍ أَتَيْنا بِها[٢]. وَ لا يُظْلَمُونَ فَتِيلًا[٣]. وَ لا يُظْلَمُونَ نَقِيراً[٤]. و كل ذلك تمشّيا مع تجسيم الميزان.
و كثيرا ما يجتمع التخييل و التجسيم في المثال الواحد في القرآن، فيصوّر المعنويّ المجرّد جسما محسوسا، و يخيّل حركة لهذا الجسم أو حوله من إشعاع التعبير. و في الأمثلة السابقة نماذج من هذا، و إليك أمثلة جديدة، و في القرآن وفرة منها:
من ذلك: بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْباطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذا هُوَ زاهِقٌ[٥] وَ قَذَفَ فِي قُلُوبِهِمُ الرُّعْبَ[٦] وَ أَلْقَيْنا بَيْنَهُمُ الْعَداوَةَ وَ الْبَغْضاءَ إِلى يَوْمِ الْقِيامَةِ[٧]. ثُمَّ أَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلى رَسُولِهِ وَ عَلَى الْمُؤْمِنِينَ[٨]. وَ اخْفِضْ لَهُما جَناحَ الذُّلِّ مِنَ الرَّحْمَةِ[٩].
فكأنما الحقّ قذيفة خاطفة تصيب الباطل فتزهقه. و كأنما الرعب قذيفة سريعة تنفذ في القلوب لفورها. و كأنما العداوة و البغضاء مادّة ثقيلة، تلقى بينهم، فتبقى إلى يوم القيامة. و كأنما السكينة مادّة مثبتة تنزل على رسول اللّه و على المؤمنين. و كأنما للذلّ جناح يخفض من الرحمة بالوالدين.
و في كل مثال من هذه يجتمع التجسيم- بإحالة المعنى جسما- مع التخييل بحركة هذا الجسم المفروضة.
[١] القارعة: ٨.
[٢] الأنبياء: ٤٧.
[٣] الإسراء: ٧١.
[٤] النساء: ١٢٤.
[٥] الأنبياء: ١٨.
[٦] الأحزاب: ٢٦.
[٧] المائدة: ٦٤.
[٨] التوبة: ٢٦.
[٩] الإسراء: ٢٤.