التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٣٤ - حد الالتفات و فائدته
و قيل- زيادة على ما مر-: إنّ من لطائفه التنبيه على أنّ مبتدأ الخلق الغيبة عنه سبحانه، و قصورهم عن محاضرته و مخاطبته، و قيام حجاب العظمة عليهم، فاذا عرفوه بما هو أهله و توسّلوا للقرب بالثناء عليه، و أقرّوا له بالمحامد، و تعبّدوا له بما يليق بهم، تقرّبا إلى ساحة قدسه الكريم، فعند ذلك تأهّلوا لمخاطبته و مناجاته عن حضور، فقالوا: إيّاك نعبد، و إيّاك نستعين[١].
حدّ الالتفات و فائدته:
هو عند الجمهور: التعبير عنه بطريق من الطرق الثلاثة (التكلّم و الخطاب و الغيبة) بعد التعبير عنه بطريق آخر منها. و عمّمه السكاكي إلى كل تعبير وقع فيما حقّه التعبير بغيره، حسب ظاهر السياق. كالتعبير بالماضي في موضع كان حقّه الاستقبال أو الحال. أو وضع المضمر موضع المظهر أو العكس. و نحو ذلك ممّا يتحوّل وجه الكلام فجأة على خلاف السياق[٢].
و فائدته العامّة هي تطرية نشاط السامع و صيانته عن الملل و السآمة، لما جبلت النفوس على حبّ الانتقال و تصريف الأحوال، فتملّ من الاستمرار على منوال واحد من وجه الكلام ... هذه هي فائدته العامّة السارية في جميع موارده. و تختصّ مواضعه، كلّ بنكتة و ظريفة زائدة، يحلو بها البيان و تهشّ إليها النفوس و تستلذّها.
قال الزمخشري: و ذلك على عادة افتنان العرب في كلامهم و تصرّفهم فيه و لأنّ الكلام إذا نقل من اسلوب إلى اسلوب كان ذلك أحسن تطرية لنشاط السامع، و إيقاظا للإصغاء إليه، من إجرائه على اسلوب واحد. و قد تختصّ
[١] معترك الاقران: ج ١ ص ٣٨٢.
[٢] أنوار الربيع: ج ١ ص ٣٦٢. و المثل السائر لابن الاثير ج ٢ ص ١٧١.