التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٣٩١ - وفرة الاستعارة في القرآن
الذكر، و هو المعزّى، لأنّه قال: تعزّ فإنك كالسيف الذي يمضي و إن وهت حمائله و خلاه قائمة[١].
و قد تقدّم أنّ التمثيل ضرب من الاستعارة، و هو من تشبيه مركّب بمركّب مطويّ ذكر المشبّه. نظير قولهم: «أراك تقدّم رجلا و تؤخّر اخرى» يضرب مثلا لمن يتردّد في أمر يقدّم فيه أو يمسك، فقد شبّهت حالة ترديده بمن قدّم رجلا و أخّر اخرى، فهي استعارة، لأنّ المشبّه مطويّ الذكر.
و أمّا ابن رشيق فيرى كثرة الاستعارة في القرآن بأنواعها، ممّا يزيده رونقا و جمالا، لا يوجد في غيره. منها قوله تعالى: إِنَّا لَمَّا طَغَى الْماءُ حَمَلْناكُمْ فِي الْجارِيَةِ[٢] فإنّها إمّا استعارة تبعية في قوله «طغى»، استعير الطغيان، و هو الخروج عن حدّ الاعتدال، لفورة الماء و ثورته. أو ترشيح، باعتبار تشبيه الماء الفائر الذي يسطو على كلّ شيء، بعاص متمرّد عات لا يلوى على شيء، و قد أضمر هذا التشبيه، و طوى ذكر المشبّه به، فكان ذكر الطغيان ترشيحا، لأنه من خواصّ المشبّه به.
و كذا قوله تعالى: وَ لَمَّا سَكَتَ عَنْ مُوسَى الْغَضَبُ[٣] شبّهت ثورة غضب موسى (عليه السّلام) بغوغاء إنسان و ضوضائه. فكان هدوؤه سكوتا. أي فلمّا هدأت ثورة غضبه (عليه السّلام) و هذا من الاستعارة المكنّى عنها مع الترشيح.
و قوله تعالى: سَمِعُوا لَها شَهِيقاً وَ هِيَ تَفُورُ. تَكادُ تَمَيَّزُ مِنَ الْغَيْظِ[٤] فقد شبّه لهيب جهنم بثورة إنسان غائظ. قال الزمخشري: تشبيها لحسيسها المنكر
[١] المثل السائر: ج ٢ ص ١١٦- ١٢١.
[٢] الحاقة: ١١.
[٣] الاعراف: ١٥٤.
[٤] الملك: ٧- ٨.