التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسة النشر الإسلامي - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٤٠٠ - الاستعارة في مدارج البلاغة
تنازعها مداها. و صادفتها[١] نجوما هي بدرها، و روضا هي زهرها، و عرائس ما لم تعرها حليها فهي عواطل، و كواعب ما لم تحسنها فليس لها في الحسن حظ كامل. فانك لترى بها الجماد حيّا ناطقا، و الأعجم فصيحا، و الأجسام الخرس مبيّنة، و المعاني الخفية بادية جلية! و إذا نظرت في أمر المقاييس وجدتها و لا ناصر لها أعزّ منها، و لا رونق لها ما لم تزنها، و تجد التشبيهات على الجملة غير معجبة ما لم تكنها[٢]. إن شئت أرتك المعاني اللطيفة التي هي من خبايا العقل، كأنها قد جسّمت حتى رأتها العيون و إن شئت لطفت الأوصاف الجسمانية، حتى تعود روحانية لا تنالها إلّا الظنون.
و هذه إشارات و تلويحات في بدائعها، و إنّما ينجلي الغرض منها و يبين اذا تكلّم على التفصيل و افرد كل فنّ بالتمثيل[٣].
الاستعارة في مدارج البلاغة:
قال عبد القاهر: إنّ الاستعارة- كما علمت- تعتمد التشبيه أبدا، و طرقه تختلف، فكلّما كان التشبيه أدقّ و أعمق كانت الاستعارة أرق و أرقى. و هي ترتقي من الضعف إلى القوّة ثم بما يزيد في ارتقائها.
فأول هذه الضروب أن يكون وجه الشبه موجودا في كلا الطرفين، لكن مع خصائص و مزايا و مراتب في الفضيلة أو الكمال، فتستعير لفظ الأفضل لما هو دونه. و مثاله: استعارة الطيران لغير ذي جناح، مرادا به السرعة. كما جاء
في
[١] عطف على« وجدتها» حيث كان جوابا للشرط.
[٢] أي إذا لم تكن على وجه الاستعارة.
[٣] أسرار البلاغة: ص ٣٣.